الذكاء الاصطناعي في الحروب: سلاح ذو حدين وتداعيات مقلقة
أحدث الذكاء الاصطناعي تحولا كبيرا في ساحات الحروب والأحداث العالمية الحديثة، رغم أن تأثيره قد لا يكون ظاهرا للعيان، إلا أنه يلعب دورا مؤثرا في توجيه الأحداث.
فقد بات الذكاء الاصطناعي حاضرا في مختلف العمليات، بدءا من التخطيط لعمليات عسكرية معقدة، وصولا إلى تحليل البيانات الاستخباراتية الضخمة. وكشفت تقارير صحفية عن استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط لضربات صاروخية وعمليات تجسس واسعة النطاق.
وأشارت صحيفة "غارديان" إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية يمثل بداية عصر جديد من الهجمات فائقة السرعة، حيث يتم تنفيذ الضربات الصاروخية بسرعة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في عام 2024 بالاعتماد بشكل كبير على نموذج "كلود" للذكاء الاصطناعي، الذي طورته شركة "آنثروبيك" الأمريكية، وذلك في مختلف قطاعاتها ووكالاتها، بما في ذلك الوكالات الاستخباراتية، بهدف تسريع عمليات التخطيط ومواجهة التحديات المتزايدة. وأصبح نموذج "كلود" جزءا من أنظمة شركة "بالانتير"، التي تستخدمها وزارة الدفاع الأمريكية والجيش الإسرائيلي على نطاق واسع.
وأوضح كريغ جونز، المحاضر في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل، الدور المحوري للذكاء الاصطناعي في ما يسمى بـ "سلاسل القتل الذكي"، مؤكدا أن الآلات تقدم توصيات بشأن الأهداف المحتملة بسرعة تفوق القدرة البشرية على التفكير. وأضاف أن ما كان يستغرق أياما وأسابيع في الماضي أصبح ينجز في دقائق معدودة، في إشارة إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على التخطيط للهجمات الصاروخية وتوقع آليات الرد والاستجابة لها.
كما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي طورتها "بالانتير" تحليل كميات هائلة من المعلومات والبيانات الواردة من لقطات الطائرات المسيرة المستخدمة في مختلف المجالات، ثم تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وترتيب أولوياتها، بالإضافة إلى تتبع مسارها وتحديد الموقع الأمثل لتنفيذ الهجوم، وفقا للتقرير.
ويتفق هذا مع تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" أكد أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تتبعت موقع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي وشاركت الموقع مع الجيش الإسرائيلي الذي حدد موعد الهجوم. ويشير التقرير إلى أن منظومة "بالانتير" و"كلود" استخدمت بكثافة في الحرب على غزة لتتبع الأهداف الفلسطينية والبحث عنها باستخدام الطائرات المسيرة والمقاطع المصورة من الجنود الإسرائيليين.
وعلى الرغم من الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، إلا أن جزءا كبيرا من قرارات الهجوم وإصدار أوامر إطلاق الصواريخ كان لا يزال يعتمد على التدخل البشري. وهذا يعني أن الهجوم لم يكن ناتجا عن أسلحة ذاتية التشغيل بشكل كامل.
وجاءت هذه التطورات في أعقاب خلاف كبير بين شركة "آنثروبيك"، مطورة نموذج "كلود"، والحكومة الأمريكية، والذي انتهى بتخلي الحكومة الأمريكية عن "آنثروبيك" بشكل كامل ومطالبة الوكالات والوزارات المختلفة بالتخلي عن نماذجها. وكان السبب الرئيسي في هذا الخلاف هو اعتراض "آنثروبيك" على استخدام تقنياتها في المراقبة الشاملة وتطوير الأسلحة ذاتية التشغيل بشكل كامل، حيث أضافت الشركة بندا يمنع البنتاغون من القيام بهذين الأمرين، حسبما ذكر موقع "ذا كونفرزيشن" الإخباري البريطاني.
ويثير التقرير تساؤلات حول شكل الحروب المستقبلية إذا ما تمكنت وزارة الدفاع الأمريكية من تطوير أسلحة ذاتية التشغيل بشكل كامل تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي، وهي أسلحة قادرة على تنفيذ الهجمات دون الحاجة إلى تدخل بشري. وهو ما يخشاه داريو أمودي، المدير التنفيذي لشركة "آنثروبيك"، وأعلن عنه في مناسبات عدة.
وقد خسرت "آنثروبيك" عقود وزارة الدفاع الأمريكية، التي استبدلتها بشركة "أوبن إيه آي" (OpenAI)، التي لم تبد اعتراضا أخلاقيا مماثلا لما فعلته "آنثروبيك"، كما ورد في تقرير منفصل من موقع "ذا فيرج" (The Verge) التقني الأمريكي. وأكد التقرير أن شروط صفقة "أوبن إيه آي" أقل صرامة من تلك التي كانت تحاول "آنثروبيك" فرضها، وذلك على الرغم من تأكيدات الشركة بأنها لن تمنح البنتاغون القدرة على مراقبة الأمريكيين أو تطوير الأسلحة ذاتية القيادة.
وتثير هذه الصفقة مخاوف الخبراء بشأن مستقبل قد تمتلك فيه وزارة الدفاع الأمريكية وصولا غير مشروط إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما قد يمكنها من تطوير أسلحة ذاتية التشغيل وشاملة التدمير.






