الكابتن صدقي ارشيد: "ديسك الرقبة القاتل الصامت لإنتاجيتك… والتأهيل الحركي هو خط الدفاع الأول قبل الجراحة"
خاص _ فايز الشاقلدي
حذّر الكابتن صدقي ارشيد من تصاعد حالات الإصابة بـ"ديسك الرقبة" أو الانزلاق الغضروفي العنقي، واصفاً إياه بـ"القاتل الصامت للإنتاجية وجودة الحياة”، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والاعتماد شبه الكلي على الهواتف الذكية والعمل المكتبي لساعات طويلة.
وقال ارشيد، إن المشكلة لم تعد تقتصر على كبار السن كما كان شائعاً سابقاً، بل باتت تطال فئات عمرية شابة، بما في ذلك الرياضيون ومرتادو الأندية الصحية، نتيجة أنماط الحياة الخاطئة وسوء الممارسات الحركية اليومية.
ما هو ديسك الرقبة؟
وأوضح ارشيد أن ديسك الرقبة يحدث عند خروج المادة الجيلاتينية الموجودة بين الفقرات العنقية من موضعها الطبيعي، ما يؤدي إلى ضغط مباشر على الأعصاب المحيطة. وينتج عن هذا الضغط آلام مزمنة في الرقبة، وصداع توتري، إضافة إلى تنميل قد يمتد إلى الكتفين والذراعين وحتى أطراف الأصابع.
وأضاف أن خطورة المشكلة تكمن في أن كثيرين يتجاهلون الأعراض المبكرة، معتبرينها إجهاداً عابراً، ما يؤدي إلى تفاقم الحالة تدريجياً وتأثيرها على الأداء الوظيفي والرياضي على حد سواء.
"النص المتدلي” وأخطاء يومية تضاعف الخطر
وبيّن ارشيد، من واقع خبرته في المجال الرياضي والتدريبي، أن هناك أربعة أسباب رئيسة تقف خلف تصاعد هذه الحالات.
أولها ما يُعرف بوضعية "النص المتدلي” (Text Neck)، حيث يؤدي الانحناء المستمر للنظر في الهاتف إلى مضاعفة الضغط على فقرات الرقبة بما يصل إلى خمسة أضعاف الوزن الطبيعي للرأس.
أما السبب الثاني فيتمثل في اختلال التوازن العضلي، إذ يركّز كثيرون على تقوية عضلات الصدر الأمامية مع إهمال عضلات الظهر العلوي، ما يؤدي إلى تقوس الكتفين وسحب الرأس إلى الأمام، وبالتالي زيادة الضغط على الفقرات العنقية.
وأشار إلى أن التكنيك الرياضي الخاطئ يشكّل سبباً ثالثاً مهماً، خاصة عند رفع الأوزان دون تثبيت الرقبة بشكل صحيح أو استخدام عضلات الرقبة بدلاً من العضلات المستهدفة أثناء التمرين، الأمر الذي يعرّض الفقرات لإجهاد غير محسوب.
أما السبب الرابع، فهو نمط الحياة الخامل، حيث يؤدي الجلوس لساعات طويلة دون فترات حركة أو استطالة إلى تصلب الغضاريف وفقدان مرونتها الطبيعية.
الوقاية تبدأ بالوعي الحركي
وأكد ارشيد أن الوقاية من ديسك الرقبة ليست معقدة، لكنها تتطلب التزاماً يومياً ووعياً حركياً مستمراً، مشدداً على أن "درهم وقاية خير من قنطار علاج”.
ودعا إلى ضبط مستوى النظر بحيث تكون شاشة الهاتف أو الحاسوب بمحاذاة العينين، لتفادي انحناء الرأس للأمام. كما شدد على أهمية تقوية ما وصفه بـ"الحزام العضلي الداعم للرقبة”، مع التركيز على عضلات الظهر العلوية، خاصة الترابيس الوسطى والسفلية، باعتبارها السند الحقيقي للفقرات العنقية.
كما نصح بضرورة شرب كميات كافية من الماء للحفاظ على ليونة الأقراص الغضروفية، إلى جانب الحركة كل 30 دقيقة على الأقل أثناء العمل المكتبي، ولو لدقائق معدودة من المشي أو تمارين الإطالة البسيطة.
هل الجراحة هي الحل الوحيد؟
وفيما يتعلق بالعلاج، شدد ارشيد على أن الجراحة ليست الخيار الأول في معظم الحالات، مؤكداً أن نسبة كبيرة من إصابات ديسك الرقبة يمكن إدارتها وتحسينها بشكل ملحوظ عبر برامج تأهيل حركي مدروسة.
وأوضح أن الخطوة الأولى تكمن في تصحيح القوام (Posture Correction)، من خلال إعادة الرأس إلى محاذاته الطبيعية فوق الكتفين، بدلاً من الوضعية المتقدمة إلى الأمام.
كما أشار إلى أهمية تمارين المقاومة التأهيلية التي تهدف إلى بناء "درع عضلي” حول الفقرات العنقية، ما يخفف الضغط المباشر عنها ويوزع الأحمال بشكل متوازن. وإلى جانب ذلك، تلعب الإطالات الوظيفية دوراً محورياً في فك التشنج عن عضلات الرقبة الجانبية وعضلات الصدر التي تسحب الجسم إلى وضعية خاطئة.
وأكد أن نجاح هذه البرامج يتطلب إشرافاً متخصصاً والتزاماً من المصاب، لافتاً إلى أن النتائج قد تكون "مذهلة” إذا ما تم تطبيق الخطة العلاجية بشكل صحيح ومتدرج.
رسالة تحذيرية
واختتم الكابتن صدقي ارشيد تصريحه بالتأكيد على أن "الجسم هو الآلة الوحيدة التي لا نملك لها قطع غيار أصلية بعد التلف”، داعياً إلى عدم الانتظار حتى يصبح الألم غير محتمل.
وقال: "ابدأ اليوم بتعديل وضعيتك، واهتم بجودة حركتك قبل كمية الأوزان التي ترفعها. العضلة الضعيفة ثغرة للألم، أما العضلة القوية والذكية فهي حائط الصد الأول أمام الإصابات”.
وأشار إلى أن الاستثمار في الوعي الحركي اليوم هو استثمار مباشر في الإنتاجية والصحة طويلة الأمد، مؤكداً أن العناية بالقوام والحركة السليمة لم تعد رفاهية، بل ضرورة في عصر الشاشات والعمل المكتبي المكثف.






