الطب البديل: متى يكون مفيدا ومتى يصبح خطيرا؟
ظهر فجاة من يدعي فهم المرض اكثر من العلم دون اي انجاز علمي حقيقي. وزعم انه اكتشف ما عجزت عنه ارقى الجامعات والمعاهد البحثية. وادعى اختراق اسرار الجسد التي استعصت على عقول الاف الباحثين والاطباء الذين افنوا اعمارهم في المختبرات حول العالم.
يقدم الطب البديل اليوم ليس كخيار مكمل ولا كوسيلة داعمة بل كالحقيقة المخفية التي لم يرد الاطباء اخبارك بها. وكعلاج جذري لكل ما فشل الطب الحديث في شفائه.
في هذا الخطاب التبسيطي يختزل الطب الحديث في صورة الية لا ترى الا الاعراض. ويصور الاطباء كادوات في يد شركات الادوية متواطئين على ابقائنا مرضى بينما يمنح العشاب والمعالج الطاقي مكانة الخبير الاسمى الذي يرى ما لا يراه العلماء.
الطب البديل: بين المكمل والخطير
بهذه الطريقة يتكون في ذهن المريض انقسام زائف بين طب تجاري يعالج الاعراض وطب حكيم بديل يعالج الجذور. مع ان هذا التقسيم في حقيقته شعار تسويقي اكثر منه وصفا للواقع.
نعم قد يكون لبعض ممارسات الطب البديل اثر محدود في سياقات دقيقة. لكن ذلك لا يحدث الا حين تخضع لمنهجية واضحة وجرعات محسوبة ومراقبة صارمة للتداخلات الدوائية. في هذه الحالة لا يقدم العلاج الطبيعي كبديل عن الدواء المثبت علميا بل كعامل مساعد لتحسين جودة الحياة او تخفيف بعض الاعراض الجانبية او دعم الصحة العامة ضمن اطار علاجي متكامل يشرف عليه اطباء مؤهلون.
في الدول المتقدمة توجد برامج اكاديمية ومختبرات متخصصة في دراسة النباتات الطبية والعلاجات الطبيعية. حيث تجرى دراسات سريرية مضبوطة للتحقق من فعالية المركبات النشطة وضبط الجرعات ودراسة التداخلات الدوائية. من امثلة ذلك بعض المركبات المضادة للالتهاب والمهدئات العصبية الخفيفة ومضادات الاكسدة الطبيعية والتي تستخدم احيانا لدعم العلاج الطبي او تحسين جودة الحياة في حالات محددة وبوصفات مدروسة وليست عشوائية.
الطب البديل: متى يكون مكملا؟
كما اظهرت دراسات ان بعض العلاجات مثل الحجامة قد تساعد في تخفيف الالم في حالات معينة عند تطبيقها بطريقة صحيحة وتحت اشراف مهني. بينما يمكن ان يسهم الوخز بالابر او التامل والاسترخاء في تحسين جودة الحياة وتقليل التوتر والقلق. لكن بشرط ان تستخدم كعلاجات مساعدة ضمن حدود واضحة لا ان تقدم للمرضى بوصفها بديلا عن العلاج الطبي المثبت علميا.
على النقيض في كثير من بلداننا يصبح الطب البديل مجالا مفتوحا لكل من هب ودب. يمارسه اشخاص لا يمتلكون تكوينا علميا حقيقيا في الطب او علوم الحياة. ويبيعون الخلطات والمكملات من دون اي رقابة او اساس علمي. هؤلاء المتطفلون يوهمون الناس بان امراضهم المزمنة ستختفي بمجرد تجنب الخبز او الحليب او السكر او بتناول مكمل غذائي سحري فيتحول المجال من خيار داعم الى خطر حقيقي على الصحة.
يبدا الطب البديل في التحول من ممارسة مكملة الى ممارسة خطيرة عندما يقدم للمريض كبديل كامل عن العلاج الطبي. ويسوق له بوعد الشفاء التام لكل الامراض. ويبنى على خلطات مجهولة التركيب بلا جرعات واضحة او رقابة. ويمارسه اشخاص بلا تدريب طبي حقيقي وبلا التزام باخلاقيات المهنة.
متى يبدا الخطر؟
في هذه البيئة لا تجرى دراسات مضبوطة ولا تحدد جرعات ولا يراقب تاثير المنتجات على المرضى. فتتحول الممارسة الى ترويج اوهام وبيع وعود زائفة اكثر من كونها علاجا حقيقيا. الخطورة هنا لا تاتي فقط من عدم فاعلية العلاج بل من تعطيل العلاج الفعال ومن ترك المرض يتقدم بلا مراقبة.
الفوائد المحتملة للطب البديل تتلاشى بسرعة عندما يسوق ليس كمكمل بل كحل شامل لكل الامراض وهو ما يفعله بعض الدجالين. في هذه الحالة لا يكون الضرر ناتجا عن عدم فعالية العلاج البديل فحسب بل عن ضياع الوقت العلاجي الحاسم. حيث تمر مراحل مبكرة قابلة للعلاج من دون تدخل ليكتشف المرض لاحقا في مرحلة متقدمة يصعب التحكم فيها.
الترويج للفكرة التي تزعم ان الطب الحديث يعالج الاعراض فقط بينما يعالج الطب البديل السبب الجذري رغم انها دعوى غير مثبتة علميا قد يكون مميتا عمليا. المرض لا ينتظر الشعارات ولا يعبا بالخطابات التحفيزية يتقدم وفق قوانينه البيولوجية سواء اقتنع المريض بنظريات الموامرة ام لا.
حين يسرق الطب البديل الوقت الذهبي للعلاج
يصبح الطب البديل خطرا مباشرا على حياة المرضى عندما يقنع مريض السرطان او القلب او السكري بايقاف ادويته. ويشجع على اهمال الفحوصات والتحاليل والاعتماد على الشعور. ويمنح للمريض على انه علاج جذري مع مطالبته بالتوقف عن العلاج النظامي.
يصبح الطب البديل بالغ الخطورة مع الامراض المعقدة عندما يدفع المريض الى اهمال العلاج الطبي او يضيف سمية جديدة الى جسم منهك اصلا. فيضاعف تلف الاعضاء ويرفع خطر الوفاة.
في السرطان مثلا ايقاف العلاج الكيماوي او الاشعاعي والاعتماد على الاعشاب يرفع معدل الوفاة اذ ينتشر الورم بيولوجيا بلا توقف بينما تتداخل الاعشاب مع فعالية الادوية. اما في حالة السكري فالتوقف عن الادوية يسبب ارتفاعا حادا في مستوى السكر في الدم يمكن ان يؤدي الى غيبوبة كيتونية او مضاعفات طويلة الامد كالعمى وبتر الاطراف وفشل الكلى والسكتات القلبية او الجلطات الدماغية.
مخاطر الطب البديل على امراض خطيرة محددة
وفي امراض الكلى تحتوي بعض الاعشاب على مركبات سامة تسبب فشلا كلويا حادا يتطلب غسيل كلى دائما خاصة لدى من لديهم ضعف كلوي مسبق. امراض الكبد تتفاقم بسرعة مع الالتهاب الكبدي الدوائي الناتج عن مكملات عشبية وقد يصل الامر الى فشل كبدي يتطلب زراعة او يفضي للوفاة عند مرضى التليف.
وفي امراض القلب والتصلب الشرياني ايقاف مضادات التخثر والاعتماد على الحجامة او الاعشاب يعرض لجلطات قلبية او دماغية مع اضطرابات قد تكون مميتة. في كل هذه الامراض العلاجات الطبيعية غير المدروسة تسرع الفشل العضوي والوفيات.
يعتمد خطاب انصار الطب البديل على مجموعة من المغالطات الفكرية التي تمنحه جاذبية خادعة. من ابرزها:
اوهام الطبيعي وحكمة الاجداد
- مغالطة الاحتكام الى الطبيعة: كل ما هو طبيعي يفترض انه امن ونافع وكل ما هو صناعي كيميائي فهو سام. والحقيقة ان الطبيعة مليئة بالسموم القاتلة وان الطبيعي ليس مرادفا للامن. كما ان كثيرا من الادوية الكيميائية استخلصت من النباتات في اصلها.
- مغالطة حكمة الاجداد: كان مجرد قدم الممارسة يمنحها حصانة علمية واخلاقية. مع ان العلم الحديث وجد اساسا ليختبر الموروث لا ليسلم به بلا سوال.
- مغالطة التعميم من تجربة فردية: تقدم قصة مريض واحد تحسن لسبب ما على انها الدليل على فعالية علاج معين. متجاهلين احتمالات التحسن العفوي او تاثير الدواء الوهمي او العلاج الطبي المتزامن.
الى جانب ذلك يزرع كثير من مروجي الطب البديل في اذهان المرضى فكرة ان الاطباء وشركات الادوية بل حتى الحكومات متامرون لابقائهم في دائرة المرض من اجل الربح. بينما يزعم هؤلاء انهم اصحاب رسالة همهم صحة الناس.
كما ان هؤلاء المتطفلين يتحدثون بثقة عن مفاهيم معقدة مثل تنظيم الهرمونات واعادة برمجة المناعة وتنظيف الكبد من السموم مستخدمين مفردات علمية وتقنية لاضفاء مصداقية زائفة على خطابهم. في حين انهم غالبا لا يفهمون حقيقة هذه الاليات البيولوجية.
متى يصبح الطب البديل خطرا؟
في النهاية يكمن الخطر الحقيقي للطب البديل في الوهم الذي يبني عليه نفسه وعد بعلاج الاسباب الجذرية من دون دليل وشعارات تعطي المرضى شعورا زائفا بالسيطرة على صحتهم. بينما قد تتفاقم الامراض في الخفاء. هذا الخطر يبلغ ذروته عندما يتحول الطب البديل من خيار مكمل الى بديل عن العلاج الطبي المثبت علميا خصوصا في الحالات التي تتطلب تدخلا عاجلا ودقيقا مثل السرطان والسكري وامراض القلب.
في تلك اللحظة لا يعود الضرر مجرد فقدان للوقت او المال بل قد يتحول الى تهديد مباشر للحياة. فالطب البديل عندما يسوق من دون قواعد علمية واضحة ومن دون جرعات مضبوطة ومن دون معرفة حقيقية بعلم وظائف الاعضاء او الامراض يتحول من ممارسة داعمة الى اداة خداعية تقود المرضى الى الانحدار الصحي بدل الشفاء. الصحة الحقيقية لا تبنى على المغالطات والقصص الموثرة بل على الدليل والمسؤولية والوعي والانضباط العلمي.






