الواقع المعيشي في الأردن… حين يصبح الصبر سياسة غير مُعلنة

{title}
أخبار دقيقة -

كتب ـ عدنان نصّار

في الأردن، لا يعلو صوت الاحتجاج بقدر ما يعلو صمت الناس.

صمتٌ طويل لا يعني الرضا، بل التعب. تعبٌ من حسابات يومية لا تنتهي، ومن دخلٍ يذوب قبل منتصف الشهر، ومن أسئلة تتكرر بلا إجابات: كيف نعيش؟ وإلى متى؟

 

 

 

لم يعد الواقع المعيشي مجرد ملف اقتصادي، بل تحوّل إلى قضية كرامة يومية. فالمشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار وحده، بل في اتساع الفجوة بين ما يكسبه المواطن وما يُطلب منه أن يدفعه ليبقى واقفًا على قدميه. الرواتب ثابتة، بينما كلفة الحياة تتحرك بلا سقف، والنتيجة طبقة وسطى تتآكل بهدوء، وفئات أوسع تنزلق نحو الهشاشة.

السياسات الاقتصادية، كما يلمسها الناس، تبدو وكأنها تُدار بعقلٍ مالي بحت، يراقب الأرقام والمؤشرات، لكنه لا يرى الإنسان خلفها. يُطلب من المواطن أن يتفهّم، أن يصبر، أن يشدّ الحزام أكثر، دون أن يُقال له بوضوح: إلى متى؟ ومقابل ماذا؟

الاقتصاد ليس جداول وبيانات فقط، بل هو القدرة على دفع الإيجار دون قلق، وتأمين التعليم دون استدانة، والعلاج دون خوف من الفاتورة. حين تصبح هذه الأساسيات عبئًا دائمًا، فإن الخلل ليس في المواطن، بل في ترتيب الأولويات.

الأردن لا يفتقر إلى الخطط ولا إلى التشخيص، بل إلى شجاعة المراجعة. تخفيف العبء عن ذوي الدخل المحدود لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة اجتماعية. الدعم الذكي، لا العشوائي ولا الملغى، يمكن أن يكون طوق نجاة حقيقي. كما أن تحفيز المشاريع الصغيرة والاقتصاد المحلي لم يعد ترفًا، بل أحد المفاتيح القليلة المتبقية لخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.

الأخطر من كل ذلك هو تطبيع المعاناة. حين يُصبح الصبر هو السياسة غير المعلنة، وحين يُطلب من الناس التكيّف بدل الإصلاح، فإن الثقة تتآكل، لا في الحكومات فقط، بل في فكرة العدالة الاقتصادية ذاتها.

لا استقرار اقتصادي دون عدالة، ولا عدالة دون مشاركة حقيقية في القرار. إشراك الناس ليس شعارًا، بل شرطًا لفهم نبض الشارع قبل أن يتحول الصمت إلى قطيعة.

 الحل للواقع المعيشي في الأردن لا يكمن في مزيد من الجباية، ولا في وعود مؤجلة، ولا في تحميل المواطن كلفة أزمات لم يكن شريكًا في صنعها.

الحل يبدأ حين يصبح الإنسان محور السياسات، لا ضحيتها، وحين تُدار الدولة بعقلٍ يرى في الكرامة المعيشية حقًا لا منّة، وأساسًا للاستقرار لا عبئًا على الخزينة.

كاتب وصحفي أردني

تصميم و تطوير