أبي... نجحتُ يا أبي، لكنّك لم تكن هناك لتفرح بي!



أبي الحبيب، أيُّ حزنٍ هذا الذي لا تُطفئه السنون، وأيُّ غيابٍ ذاك الذي كلما ابتعد بنا الزمن عنه، ازداد في أرواحنا اقترابًا؟!

ستُّ سنواتٍ مضت منذ رحيلك، وما زلتُ كلما حاولتُ أن أستوعب معنى الفقد، أجدني ذلك الابن الذي لم يتعلّم بعد كيف يمضي في الحياة دون أبيه.

أتعلم يا أبي ما أقسى ما في رحيلك؟ ليس أنني لم أعد أراك، بل أن الحياة لم تتوقف بعدك؛ أن الأيام واصلت سيرها، وأن الأفراح جاءت، والنجاحات تحققت، والأبواب التي تمنيتَ أن تُفتح لي قد فُتحت، ولكنك لم تكن هناك لأراك تبتسم من أجلها.

*أتذكر يوم نجاحي في الانتخابات النيابية يا أبي؟*

كان الناس يهنئونني، والأصوات تعلو فرحًا، والأيدي تمتد مصافحةً، والوجوه تفيض محبةً، لكن عيني، وسط كل ذلك الفرح، كانت تبحث عن وجهٍ واحدٍ أعرف أنه لن يأتي.

وجهك أنت يا أبي.

ما أصعب أن يتحقق حلمٌ طال انتظاره، ثم تكتشف أن أول من تمنيت أن تزفّ إليه البشرى قد غادر الدنيا قبل أن يسمعها!

يومها أدركت أن للفرح دموعًا أشد وجعًا من دموع الحزن، وأن النجاح، مهما اتسعت ساحاته وضاقت به عبارات التهنئة، يظل ناقصًا حين يغيب عنه من كنا نريد أن ننجح لأجلهم.

كنتُ أريد أن أراك بين المهنئين، لا لتشهد أن ابنك أصبح نائبًا، بل لأرى في عينيك تلك الفرحة التي لا يجيدها إلا الآباء، ولأسمع منك كلمةً واحدةً كانت ستغنيني عن كل كلمات الدنيا: مبارك يا ابني.

آهٍ يا أبي... كم هي موجعةٌ تلك اللحظات التي نملك فيها كلَّ أسباب السعادة، ثم يخذلنا حضورُ من نحب.

ولعلّ ما يخفف وطأة الغياب أنني كلما اقتربت من الناس، وجدتك هناك.

ألقاك في رجلٍ يستوقفني ليحدّثني عن معروفٍ أسديته إليه، وفي مريضٍ ما زال يذكر كيف سعيت في قضاء حاجته يوم كنت تعمل في وزارة الصحة، وفي دعوةٍ صادقةٍ تخرج من قلب إنسانٍ لم ينسَ يدًا امتدت إليه حين ضاقت به السبل.

كم هو عظيمٌ إرثك يا أبي، وكم هو ثقيلٌ على كتفيّ!

لم تترك لي مالًا يقاس به الغنى، وإنما تركت لي ما هو أعزّ وأبقى؛ اسمًا إذا ذُكر حضرت معه المروءة، وسيرةً إذا رُويت استيقظ المعروف في ذاكرة الناس.

كنتَ تدرك أن المريض الذي يقف على باب مؤسسةٍ حكومية لا يحمل أوراق معاملةٍ فحسب، بل يحمل خوفه ووجعه ورجاء أهله. ولذلك لم تكن ترى في خدمته فضلًا تمنحه، بل حقًّا تؤديه، ولم تكن تنتظر من الناس جزاءً، فكان جزاؤك أن ظلوا يذكرونك حتى بعد أن انقطع عن الدنيا صوتك وخطاك.

وكم تمنيت يا أبي أن أخبرك أنني كلما جلست على مقعدي تحت قبة البرلمان، شعرت أنني لا أحمل طموحي وحده، بل أحمل شيئًا من تعبك، ومن اسمك، ومن تلك الأبواب التي طرقتها لأجل الآخرين، ومن الدعوات التي تركتها خلفك ولم تتوقف برحيلك.

أحيانًا أتساءل: أترى يا أبي ما صرت إليه؟ أبلغتك في عالمك البعيد أفراحنا التي لم يسعفنا القدر لنعيشها معك؟ أتدري كم مرةٍ تمنيت أن أعود إليك مثقلًا بما في صدري، فأجد في حديثك سكينةً لا يمنحها أحد، وفي حضورك طمأنينةً تعجز عنها الدنيا بأسرها؟

لقد كبرتُ يا أبي، وتعلّمت من الحياة ما لم أكن أعرفه وأنت بيننا، إلا أنني كلما ازددت عمرًا، ازددت يقينًا بأن الإنسان لا يكبر على حاجته إلى أبيه.

وما أشدّ المفارقة! أن يراك الناس قويًّا، وأن تراك المسؤوليات كبيرًا، وأن تجد نفسك قادرًا على حمل هموم الآخرين، ثم تعجز وحدك، في لحظة حنين، عن حمل غياب رجلٍ واحد.

**أبي... لو عاد بي العمر إلى يومٍ واحدٍ من أيامك، لما سألتك عن المستقبل، ولا حدّثتك عن أحلامي، ولا طلبتُ منك شيئًا. كنت سأجلس إلى جوارك طويلًا، وأصغي إلى صوتك، وأتأمل وجهك، وأمسك يدك، كأنني أعرف أن العمر كله لن يمنحني تلك اللحظة مرةً أخرى.*

ستُّ سنواتٍ يا أبي، وما زلت أتعلم أن الفقد ليس يومًا نودّع فيه من نحب، بل عمرٌ كاملٌ نكتشف فيه، مرةً بعد مرة، كم كنا نحبهم.

وليس أشدّ على القلب من أن تتراكم الحكايات في صدرك، ثم تتذكر أن صاحبها الأول لم يعد في الدنيا لترويها له.

رحمك الله يا أبي، يا من مضيتَ وبقيتْ سيرتك تمشي بين الناس، وبقي معروفك يطرق أبواب السماء دعاءً، وبقيتُ أنا كلما أحرزت نجاحًا، أو بلغت منزلةً، ألتفت بقلب الابن باحثًا عمّن كان سيجعل لذلك كله معنى آخر.

*اللهم إن أبي قد انقطع عن الدنيا عمله، ولم ينقطع من قلوبنا أثره، فاجعل إحسانه إلى عبادك نورًا يؤنس وحشته، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وارفع مقامه في عليين، واجمعني به حيث لا يعقب اللقاء فراق.*

*نجحتُ يا أبي، وسمعتُ تهنئة الجميع... إلا تهنئتك.*

وستبقى تلك الكلمة التي لم أسمعها منك، أغلى من كل كلمات التهنئة التي سمعتها في حياتي.

*ابنك الذي افتقدك يوم نجاحه، كما افتقدك يوم رحيلك...*

*سليمان عبدالعزيز السعود*