وهم العواصم وفخ البنادق حين تصبح الشرعية مجرد ورقة تفاوض



على مدى سنوات النزاع اليمني الدامي تحول مصطلح الشرعية من غاية سياسية واخلاقية تعبر عن عقد اجتماعي نابع من ارادة الناس الى مجرد اداة استخدامية تشهر في اروقة الدبلوماسية وتدار بها حسابات الحرب والتفاوض حيث بات اللفظ متراسا ترفعه اطراف الحكم في عدن بغطاء اقليمي ودولي واسع بوصفه تفويضا مطلقا لا ينفد رصيده في مواجهة صنعاء التي تجد نفسها محاصرة وتخوض مواجهة غير متكافئة امام تحالف عسكري ودبلوماسي متكامل بينما تعتمد داخليا على ادارة الامر الواقع والسيطرة على الارض

ان المقارنة هنا لا تعني اسقاط الفوارق الجوهرية في موازين القوى او السياقات فصنعاء تواجه تحالفا اقليميا ودوليا فرض عليها وعلى ملايين اليمنيين في نطاقها عزلة اقتصادية وحصارا قاسيا ما رسخ سردية مظلومية تاريخية ودفاع عن السيادة الوطنية غير ان جوهر المازق اليمني يظل متمثلا في طبيعة استدعاء الشرعية من قبل الجميع فالاعتراف الدبلوماسي الذي تتمتع به حكومة عدن لا يمنحها وزنا ذاتيا على الارض ان لم ينعكس امنا وخدمات وقبولا حقيقيا لدى الناس تماما كما ان صمود صنعاء في وجه التحالف لا يمكن ان يشكل وحده بمعزل عن الاحتكام الديمقراطي غطاء نهائيا لحكم بلد يضج بالتنوع والتناقضات

لقد جردت الشرعية الدبلوماسية من روحها حين غدت تمثيلا خارجيا محكوما بارادات العواصم الراعية ومستندا الى اختام وقرارات كتبت في ظروف سابقة وهذا التموضع جعلها تبدو كانها تستمد ديمومتها من التدخل الخارجي لا من التفويض الشعبي الداخلي ما افقدها هيبتها السياسية ومبرر تمثيلها الحصري لبلد تتجاوز تعقيداته اروقة الفنادق وبيانات مجلس الامن
في المقابل ورغم ثقل المعركة المفروضة على صنعاء في مواجهة التحالف فان ادارة الجغرافيا السكانية الاكبر بمنطق الطوارئ والامر الواقع لا تصنع عقدا اجتماعيا مستداما فالتصدي للتدخل الخارجي مهما كان حاضرا في الوجدان الشعبي يظل قاصرا بنيويا عن اعفاء اي سلطة من استحقاق الشراكة الوطنية الشاملة وفتح المجال امام التعددية السياسية والمدنية التي كفلها اليمنيون في تجاربهم التاريخية

وهكذا اضحت الشرعية ورقة تجارية تطرح على طاولات المفاوضات الاقليمية لانتزاع المكاسب حيث تتم المقايضة بالرواتب وفتح الموانئ وتدار المناورات لتقاسم الحقائب والنفوذ في غرف مسقط والرياض بينما يظل صاحب الحق الاصيل وهو المواطن اليمني المنهك مغيبا عن صياغة مصيره

ان الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب التخلي عن منطق الاقصاء بالكامل فلا يمكن لاملاءات التحالف ومظلته الدبلوماسية ان تكسر ارادة ملايين اليمنيين في صنعاء ومحيطها ولا يمكن لمنطق القوة والسلاح ان يختزل مصير اليمن في طرف واحد فالاستقرار الحقيقي يبدا بإنهاء التدخلات الخارجية ورفع اسباب المعاناة والحصار ويوازيه التزام داخلي صريح بنزع احتكار القرار بالقوة

لا خلاص حقيقيا ولا شرعية تملك صفة البقاء الا عندما تزول متاريس الحرب وتعود الكلمة الاخيرة لجميع اليمنيين شمالا وجنوبا في بيئة متكافئة ومستقلة تفتح الباب واسعا امام صناديق الاقتراع لتحديد شكل دولتهم ونظام حكمهم باختيار حر لا تمليه شروط الوصاية الخارجية ولا منطق الغلبة الداخلية

عبدالسلام صالح الطراونة