من حجر متناثر إلى رحلة متكاملة، هكذا تفكر عمان سياحيًا ! المهندس محمد ابوزيتون
ليست مشكلة عمّان قلة المعالم، بل طريقة الوصول إليها، ففي قلب العاصمة تتجاور آلاف القصص: أسواق عمرها مئة عام، مساجد تحفظ ذاكرة المكان، مدرج روماني يطل على المدينة، وقلعة تحرسها من الأعلى، ولكن الزائر غالباً ما يرى كل معلم وحده، ثم يغادر.
ومن هنا فأن فكرة المسارات السياحية التي تعمل عليها أمانة عمّان، هي ليست إنشاء معلم جديد، بل ربط ما هو موجود بمسار واضح يمكن المشي عليه.
وبما تختزنه عمّان من تاريخ وتنوع عمراني وحيوية تجارية، تجعل المسارات السياحية أداة مهمة لتعزيز مكانتها كوجهة تستحق الزيارة والاستكشاف، كونها تعزز من تجربة الربط التي يجد فيها الزائر طريقاً واضحاً، ومعلومة موثوقة، ومكاناً يستحق التوقف عنده، وفرصة للتعرف إلى المدينة بعيداً عن الزيارات العابرة.
ومن هذه المسارات، ممشى عمان، الذي يبدأ من منطقة إشارات المهاجرين ورأس العين، ويمر بأسواق وسط البلد والمسجد الحسيني وسبيل الحوريات والمدرج الروماني، وينتهي عند جبل القلعة، مع تفرعات جانبية تسمح بالوصول إلى مواقع أخرى على الطريق، وهذا لا يعني إغلاق الشوارع أمام السيارات، بل تأهيل الأرصفة وتحسين ممرات المشاة وجعل الربط بين المواقع أوضح وأسهل.
فمنطقة رأس العين تقدم له بداية ثقافية، والأسواق تكشف له الحياة اليومية والاجتماعية للمدينة، والمواقع الأثرية تمنحه بعدها التاريخي، وكل ذلك في رحلة متصلة.
عندما يكون المسار واضحاً، تتغير تجربة الزيارة نفسها، ويصبح لدى السائح نقطة بداية ونقاط تالية يعرفها، وتشجعه على اكتشاف أكثر من معلم في جولة واحدة بدلا من زيارة كل مكان على حدا ثم المغادرة.
ولعل ما يميز المشروع تضمنه لوسائل إرشادية وتقنية تجعل التنقل أسهل، ولوحات متعددة اللغات، ورموز استجابة سريعة تمنح المعلومة الفورية عن كل موقع، وشاشات تفاعلية، ومحطات لخدمة الزوار تبدأ من رأس العين، إضافة إلى توثيق المسارات وربطها بخرائط غوغل.
تفاصيل صغيرة هي التي تحول المشي من مجرد انتقال إلى معرفة، وتساعد الزائر القادم من أي مكان على فهم ما يراه دون أن يحتاج للسؤال عند كل محطة.
الأثر المتوقع لا يقف عند السياحة، فكلما طالت جولة الزائر وأصبحت أسهل، زادت فرصة توقفه عند محل أو مقهى أو متجر حرفي على امتداد المسار، الحركة المنظمة للمشاة تنعكس مباشرة على النشاط التجاري في وسط البلد، وتحافظ في الوقت نفسه على دور الوسط كمساحة حية للناس وليس فقط للسياح.
فقيمة الممشى ليست في الحجر فقط، بل في تنظيم التجربة، فالمسار الواضح يمنح الزائر إجابة على سؤالين حاسمين: من أين أبدأ؟ وأين أذهب بعد ذلك؟ وهذا وحده كفيل بإطالة مدة بقاء السائح في وسط البلد من خلال جمع معالمها في تجربة واحدة .
ولا يمكن النظر للممشى كمشروع معزول، فهو نواة لشبكة مسارات أكبر تربط عمّان ببعضها، خاصة مع مشاريع استراتيجية أخرى مثل تلفريك عمّان، وعندما تتكامل هذه المبادرات بمعلومات واضحة وخدمات موحدة، ستتمكن عمّان من تقديم تجارب سياحية متنوعة حسب اهتمام الزائر ووقته، بدلاً من تقديم كل معلم كجزيرة منفصلة
الرهان اليوم ليس على إنشاء طريق جديد، بل على تغيير طريقة اكتشاف المدينة، فحين تصبح المعلومة متاحة، والمسار واضحاً، والمواقع متصلة، فإن عمّان لا تضيف ممشى إلى خريطتها فقط، بل تفتح قلبها القديم للعالم بطريقة أكثر ذكاءً وتكاملاً.
وفي النهاية، عمان لا تحتاج أن تخترع لنفسها تاريخا، فتاريخها موجود تحت كل حجر وفوق كل درج، وما تحتاجه مشروعا يجعلنا نرى المعلم الأكبر، عمان نفسها .