المناهج الدراسية.. هل يخدم منطوقها مقصودها؟! بقلم: نورالدين نديم


المناهج الدراسية ليست مجرد حبر على ورق، بل هي واحدة من أهم الأدوات التي تصنع وعي الأجيال، وتحدد إلى حد كبير شكل المواطن الذي نريده لمجتمعنا ومستقبلنا.
فنحن عندما نضع الإطار العام للمناهج، ونبني المادة المحتواه بين دفتي المقررات، لا نريد استحداث نسخ منها على شكل بشر، وإنما نريد صناعة عقل وبناء وعي جمعي يقوم على قاعدة فكرية باحثة وناقدة وقابلة للتنوع.. 
فالمدرسة لا ينبغي أن تكتفي بتعليم الطالب القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم، وإنما عليها أن تبني إنساناً واعياً مفكراً ناقداً يعرف نفسه ووطنه ويحترم مجتمعه ويعتز بهويته العربية الجامعة، ويمتلك منظومة أخلاقية تحكم سلوكه ومواقفه.
المشكلة أننا عززنا الأنا بمحصلة التربية القطرية والعائلية، وإن وضعنا نصوصاً في مناهجنا لكنها دون حياة، فكانت لأبنائنا مجرد مفردات تستخدم في صياغة إجابة سؤال في امتحان، أو عبارات يوضع تحتها خط للإشارة لأهميتها في إجابة المتوقع من أسئلة الإمتحان.. 
ومن هنا تأتي أهمية أن تحمل المناهج روحاً تربوية تتجاوز المعلومات إلى بناء القيم، قيم المسؤولية والانتماء والعدالة والتسامح واحترام الآخر والعمل الجماعي وإعلاء المصلحة العامة على المصالح الضيقة.. 
إن تكريس الفكر الجمعي العروبي لا يعني إلغاء خصوصية الفرد أو مصادرة حقه في الاختلاف، بل يعني أن يدرك الطالب أنه جزء من أمة لها تاريخ وثقافة ولغة وقضايا ومصير مشترك، وأن الانتماء لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالمعرفة والعمل والإنتاج والمسؤولية.
كما أن التربية الأخلاقية لا يمكن أن تبقى درساً عابراً في كتاب، بينما يعيش الطالب تناقضاً بين ما يتعلمه وما يراه في واقعه، فالمناهج تحتاج إلى أن تتكامل مع سلوك المدرسة والمعلم والأسرة والمجتمع.
فالمشكلة ليست في كم ما نحشوه في الكتاب، بل في نوع الإنسان الذي نريد أن تبنيه تراكم المعارف التي ننتقيها من هذا الكون الفسيح. 
فإذا كانت المدرسة مصنع المستقبل، فإن المنهاج هو أحد أهم أدوات هذا المصنع. وحين نعيد بناء مناهجنا، علينا ألا نسأل فقط: ماذا سيتعلم الطالب؟ بل نسأل قبل ذلك: أي مواطن نريد أن نصنع؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للتعليم.