اسرار اكلي لحوم البشر في العصر الحجري بين العنف والطقوس الجنائزية

كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في دورية علم الآثار عن حقائق مدهشة حول ممارسات اكل لحوم البشر في مجتمعات العصر الحجري الحديث بشبه الجزيرة الايبيرية. واظهر البحث ان هذه الظاهرة لم تكن سلوكا نمطيا موحدا بل تباينت دوافعها بشكل جذري بين العنف الدموي والطقوس الجنائزية المقدسة.

واوضح علماء الحفريات بعد فحص دقيق لكهف مالالمورسو وجود ادلة دامغة على وقوع مذابح جماعية عنيفة. وبينت الدراسات ان الضحايا الذين تراوحت اعمارهم بين الاطفال والمسنين تعرضوا لهجمات وحشية تضمنت قطع اجسادهم واكلها. ورجح الباحثون ان هذه الممارسات ربما كانت تهدف لاستعراض القوة والانتصار على الاعداء او جاءت نتيجة ضغوط نقص الموارد خلال الصدامات الاولى بين المجتمعات الزراعية.

واضافت النتائج ان الصورة تبدو مغايرة تماما في كهف كاريغويلا الذي شهد ممارسات تعبدية استمرت لقرون طويلة. ومكنت تقنيات التأريخ بالكربون المشع الباحثين من فهم كيفية تحويل الجماجم البشرية الى اوعية طقسية بعد صقل حوافها بعناية فائقة. واشار الخبراء الى ان هذا التعديل الدقيق للعظام يعكس تقاليد جنائزية راسخة تهدف لتبجيل الموتى وضمان استمرارية السلطة داخل القبيلة.

وتابعت الدراسة ان كهف ماخوليكاس قدم نموذجا مختلفا للتعامل مع الموتى في العصر الحجري الحديث المتأخر. واكد العلماء ان العظام المكتشفة لم تحمل اثار مذابح بل غطيت عمدا بمعدن الزنجفر الاحمر الثمين. ومبينة ان استخدام هذا المعدن في طقوس الحداد يشير الى ان تناول اجزاء من الموتى كان جزءا من طقس روحي يهدف لابقاء ذكرى المتوفى حاضرة داخل الجماعة.

وخلص البحث الى ان الاثار الظاهرية المتمثلة في كسور العظام واستخدام ادوات الصوان لا تكفي للحكم على دوافع البشر القدماء. واكدت الدراسة ان تحت هذه العلامات المتشابهة اختبأت واقع اجتماعية متباينة للغاية تراوحت بين الحروب الشاملة والرعاية الدينية العميقة للموتى.