خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة.. حين تُسمّى الأشياء بأسمائها محمود_الحوامدة_يكتب :
قوة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تأتِ من ارتفاع النبرة، بل من وضوح الأسئلة التي وضعها أمام العالم، ومن انتقاله من توصيف الأزمات إلى مساءلة الموقف الدولي منها: ماذا يعرف العالم؟ وما الذي يستطيع فعله؟ ولماذا لا يفعل؟
تحدث الملك عن «الانتباه» باعتباره موردًا جيوسياسيًا، لأن ما يحظى باهتمام العالم ينال الجهد الدبلوماسي، وما يُترك جانبًا يتحول مع الوقت إلى أمر مألوف. ومن هنا انتقل إلى القضية الفلسطينية، واضعًا غزة والضفة الغربية ضمن سياق واحد، ومتحدثًا بوضوح عن القتل والتدمير والاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير القسري، بعيدًا عن اللغة التي تختبئ خلف المصطلحات الدبلوماسية.
والأكثر وضوحًا في الخطاب كان الحديث عن التقاعس الدولي، حين أشار الملك إلى أن أدوات الضغط موجودة ومعروفة، وأن المشكلة ليست دائمًا في غياب الوسائل، بل في غياب استخدامها عندما ينبغي استخدامها. وهنا تحوّل الخطاب من توصيف الواقع إلى سؤال مباشر حول جدوى القوانين والقرارات الدولية إذا بقيت دون أثر فعلي.
وفي الشأن الأردني، لم يترك الملك مساحة للالتباس، حين ربط أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي بالأمن القومي الأردني، مؤكدًا أن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه. وهي رسالة واضحة في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة وحساسة.
وفي واحدة من أكثر النقاط دلالة، أكد الملك أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف، وأن الانفتاح على الحوار لا يعني التنازل عن القيم أو المصالح الوطنية. فالدبلوماسية في الخطاب ليست تراجعًا عن الموقف، وإنما أداة لحماية المصالح والدفاع عن القضايا العادلة، مع الاحتفاظ بالقدرة على حماية أمن الأردن ومصالحه.
وهنا تحديدًا تكمن قوة الرسالة الأردنية: دولة تتحدث بلغة الدبلوماسية، لكنها لا تتحدث من موقع الضعف؛ تنفتح على الحوار، لكنها لا تساوم على أمنها وثوابتها.
كما أن الخطاب لم يتوقف عند الحرب في غزة، بل وضعها ضمن صورة أوسع لعالم تتراجع فيه قدرة المؤسسات الدولية على حماية القانون عندما لا تُترجم القرارات إلى أفعال.
وفي المقابل، أكد الملك أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع السلام، ولا تعيد المهجرين، ولا تطعم الجائعين، وأن الحلول المستدامة تحتاج إلى مؤسسات شرعية وثقة بين الدول واحترام فعلي للقانون.
ولعل أكثر ما يلفت في الخطاب أنه لم يكتفِ بوصف ما يحدث، بل وضع أمام العالم مسؤولية ما يختار أن يراه وما يختار أن يتجاهله.
ولذلك جاءت الكلمة واضحة في القضية الفلسطينية، واضحة في مسؤولية المجتمع الدول