السودان… حين يصبح الصمت شريكًا في المأساة كتب السفير حسان سوار الذهب



لم يمرّ الملك عبدالله الثاني على السودان مرور العابرين في خطابة 
مرّ عليه كما يمرّ الإنسان على جرحٍ مفتوح يعرف أن أخطر ما يمكن أن يحدث للجرح ليس أن ينزف بل أن يعتاد الناس رؤيته.

في خطابٍ أمام العالم وضع جلالة الملك السودان في الجملة ذاتها مع غزة وأوكرانيا وكأنه يقول للمجتمع الدولي: لا تجعلوا اختلاف العناوين اختلافًا في قيمة الإنسان. 
فحين يعيش شعبٌ تحت الحرب والنزوح والخوف لا يجوز أن تتغير المبادئ لأن الكاميرات انتقلت إلى مكان آخر. 

وهنا كانت الرسالة الملكية الأكثر قسوة:
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوقت… يحتاج إلى مزيد من الانتباه.

فالذين فقدوا بيوتهم لا يعرفون شيئًا عن دورة الأخبار والطفل الذي نام على الخوف لا يفهم لماذا أصبحت مأساته أقل حضورًا على الشاشات والأم التي تنتظر عودة ابنها لا يعنيها أن العالم وجد أزمةً جديدة يتحدث عنها.

الحرب لا تنتهي عندما تنتهي التغطية الإعلامية.

والجوع لا يصبح أقل قسوة لأن العالم انشغل.
والنازح لا يستعيد وطنه لأن عنوانًا جديدًا احتل الصفحة الأولى.
وهنا تحديدًا تكمن عبقرية الرسالة الملكية:
المشكلة ليست فقط في الأزمات التي نراها… بل في الأزمات التي نتوقف عن رؤيتها.

لقد قال الملك بوضوح إن الصراعات الممتدة ومن بينها السودان تعمّق المعاناة الإنسانية وإن العالم لا يستطيع أن يسمح لانتباهه بأن يكون موسميًا يأتي مع الكارثة، ثم يرحل عنها.

السودان ليس هامشًا.
السودان شعبٌ كامل يدفع ثمن حربٍ لا ينبغي أن تتحول إلى خلفية صامتة في نشرات الأخبار.

ومن هنا يصبح السؤال أكبر من السودان نفسه:
كم مأساة يجب أن تحدث حتى يتحرك العالم؟
وكم طفلًا يجب أن يخاف حتى يصبح خوفه مهمًا؟
وكم عائلة يجب أن تنزح حتى يصبح النزوح أزمةً دولية لا مجرد رقم؟

الملك لم يقدم السودان باعتباره ملفًا إنسانيًا منفصلًا عن العالم بل وضعه داخل منظومة أكبر: عالم تتشابك فيه
 الحروب، والهجرة، والغذاء، والطاقة، والتجارة، والأمن، ولا يمكن لأي دولة أن تتوهم أن النار ستبقى دائمًا خلف حدودها.

والرسالة هنا شديدة الوضوح:
من يعتقد أن السودان بعيد… قد يكتشف أن آثار أزماته أقرب مما يتخيل.

لكن الأهم من كل الحسابات الجيوسياسية هو الإنسان.
فالملك قال إن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تطعم الجائع أو تعيد المهجّر إلى بيته أو تبني السلام. 
هذه ليست عبارة دبلوماسية ناعمة إنها إعادة تعريف لما يجب أن يكون عليه الحل: مؤسسات شرعية ثقة بين الدول احترام للاتفاقيات وقواعد تُطبَّق بالفعل لا تُترك حبرًا على ورق. 

وهكذا يصبح السودان اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم.
ليس السؤال:
هل يعرف العالم أن السودان يتألم؟

العالم يعرف.
السؤال الأكثر وحشية هو:
هل سيبقى منتبهًا بما يكفي لإنقاذ من يتألم؟
لأن المأساة الأخطر ليست أن يشتعل السودان…
بل أن يعتاد العالم الدخان.
والملك قالها بمعنى لا يحتمل التأويل: مبادئنا لا ينبغي أن تتغير مع تغيّر انتباه العالم. 

وهذه هي الحكاية كلها:
السودان لا يطلب من العالم أن يبكي عليه…
بل أن يتذكره.
فالنسيان حين يكون شعبٌ في قلب الحرب ليس حيادًا دائمًا…
قد يصبح وجهًا آخر للمأساة.