خارطة جينية تكشف سمات الشخصية ومخاطر الاعتلال النفسي قبل الولادة

كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في دورية نيتشر عن وجود خارطة جينية معقدة تساهم في تحديد سمات الشخصية البشرية منذ مرحلة ما قبل الولادة، موضحة أن هذه المتغيرات الحمضية تلعب دورا محوريا في رسم ملامح السلوك البشري ومدى الاستعداد للاعتلالات النفسية مستقبلا.

وأظهر البحث الذي يعد الأكبر من نوعه بمشاركة أكثر من مليون شخص، أن نحو 16% من الاختلافات في السمات الشخصية الخمس الكبرى تعود إلى عوامل وراثية مبرمجة، مبينا أن التأثير لا يكمن في جين واحد محدد، بل في التفاعل التراكمي لآلاف المتغيرات الجينية التي تعمل معا لتشكيل الانفتاح والضمير الحي والانبساط والتوافق والعصابية.

وقال الباحثون إن النتائج توضح أن المتغيرات الجينية المرتبطة بسمة العصابية قد تكون مؤشرا تنبؤيا هاما للأطباء حول احتمالية تعرض الأفراد لمشاكل صحية نفسية تتطلب تدخلا طبيا، موضحا أن هذه المتغيرات ترتبط بشكل وثيق بزيادة معدلات التردد على المستشفيات وقضاء وقت أطول في تلقي الرعاية الصحية.

وأضاف الفريق العلمي أن الدراسة رصدت 1260 متغيرا جينيا مرتبطا بسمات الشخصية، من بينها 824 متغيرا تم اكتشاف ارتباطها لأول مرة، مشيرا إلى أن هذه النتائج تعزز الفهم العلمي لكيفية اتخاذ الأفراد لقرارات حياتية مصيرية مثل تغيير الوظائف أو الإقدام على مخاطرات كبيرة، حيث تظهر الارتباطات الجينية مدى تأثير الانفتاح على التجربة في مسارات الدخل والعمل.

وبينت الدراسة أن هناك علاقة معقدة بين المتغيرات الجينية والاضطرابات النفسية، إذ ارتبطت العصابية المرتفعة بزيادة المخاطر الجينية للإصابة بالاكتئاب والقلق والوسواس القهري واضطرابات التوحد، بينما أظهرت النتائج أن سمة الضمير الحي تعمل كعامل حماية ضد بعض الاضطرابات مثل نقص الانتباه مع فرط النشاط.

وأكد الخبراء أن شخصية الإنسان تظل نتاجا لتفاعل ديناميكي بين آلاف الجينات والبيئة المحيطة، مشددين على أن هذه الاكتشافات تفتح آفاقا جديدة في الطب النفسي الوقائي لتحديد الفئات الأكثر عرضة للمخاطر وتطوير استراتيجيات علاجية تتناسب مع البصمة الجينية لكل فرد.