انهيار النظام المصرفي في لبنان.. ثلاثة عقود من الازمات والديون

كشفت الاحداث المتلاحقة في لبنان عن عمق الانهيار الذي اصاب النظام المصرفي بعد ثلاثة عقود من السياسات النقدية التي انتهت بحجز اموال المودعين. واظهرت المشاهد التي شهدتها المصارف في السنوات الاخيرة ان ما حدث لم يكن مجرد صدفة بل نتيجة طبيعية لنموذج مالي اعتمد على جذب الودائع بفوائد مرتفعة لتمويل عجز الدولة وتثبيت سعر صرف الليرة.

واوضح تقرير مفصل ان بداية الازمة ترتبط بسياسات رياض سلامة الذي تولى حاكمية مصرف لبنان منذ عام 1993. حيث تحولت المصارف الى ادوات لتمويل الحكومة بدلا من دورها التقليدي. وبينت البيانات ان هذا النموذج كان يعتمد بشكل كلي على استمرار تدفقات الاموال من الخارج. ومع تراجع هذه التدفقات بدأت الفجوة المالية تتسع بشكل خطير.

واضاف التقرير ان عام 2016 شكل مرحلة مفصلية عبر ما عرف بالهندسة المالية. وهي عمليات تهدف الى تعزيز الاحتياطيات لكنها في الواقع عمقت انكشاف النظام على الدولة وزادت من حدة الازمة. وقال خبراء ان هذه الاجراءات كانت مجرد محاولات لتأجيل الانفجار الحتمي بدلا من اصلاح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.

واشار مراقبون الى ان تداعيات الازمة تجاوزت الحدود اللبنانية لتشمل شبكات مالية معقدة مرتبطة بالوضع الاقليمي. لا سيما مع تفاقم الاوضاع في سوريا والعقوبات الدولية. واظهرت المعطيات ان لبنان لعب دور قناة لحركة الدولار في ظل ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة. مما ادى في النهاية الى جفاف السيولة وانفجار الشارع في عام 2019.

وبينت الوقائع ان اعلان الحكومة اللبنانية التوقف عن سداد سندات اليوروبوند عام 2020 كان بمثابة الضربة القاضية للثقة في القطاع المالي. ومنذ ذلك الحين اصبحت اموال المودعين مجرد ارقام في الحسابات لا يمكن الوصول اليها. بينما تآكلت قيمتها الحقيقية مع انهيار العملة المحلية وتعدد اسعار الصرف.

واختتمت التطورات القضائية الاخيرة التي طالت حاكم مصرف لبنان السابق المشهد. حيث تلاحقه اتهامات بالاختلاس والتزوير. الا ان التحليلات تؤكد ان المسؤولية لا تقع على عاتق شخص واحد. بل هي نتاج منظومة متكاملة من القوى السياسية والمصرفية التي ساهمت في بناء نموذج مالي هش انهار عند اول اختبار حقيقي.