حوارية في شومان بعنوان "تحديات القراءة للأطفال في زمن الشاشات"




 أكد مشاركون في حوارية نظمها منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي، مساء أمس، ضرورة حماية السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل من أي تعرض تعليمي رقمي، والاعتماد على الوسائط الملموسة.
وأشاروا خلال الحوارية التي جاءت بعنوان "تحديات القراءة للأطفال في زمن الشاشات"، بمشاركة الكاتب المصري عبده الزراع، والأكاديمية الأردنية الدكتورة أسيل شوارب، وأدار الحوار مع الجمهور الدكتور محمود الرجبي، وبحضور نخبة من الأكاديميين والمهتمين، إلى أهمية إعادة الطفل إلى القراءة، وذلك بجعل القراءة جزءًا من حياته اليومية.
وأوضحوا أن مستقبل القراءة لا يقوم على مقاومة التكنولوجيا، وإنما على إعادة اكتشاف ما يجعل الكتاب مختلفًا، لافتين إلى أن التحدي الحقيقي ليس أن نجعل الطفل يترك الشاشة، فهذا هدف غير واقعي، وإنما أن نجعل الكتاب حاضرًا في عالمه الرقمي والواقعي معًا.
وأشار الكاتب الزراع إلى أنه في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية، ومنصات التواصل، والأجهزة اللوحية، والتكنولوجيا الحديثة، أصبحت القراءة اليوم تواجه مشكلات وتحديات كبيرة، موضحا أن التحديات لم تعد في توفير الكتاب، بقدر ما هي كيف نعيد الطفل مرة أخرى للقراءة من الكتاب.
وبين أن اعتياد الطفل على قراءة المحتوى القصير والسريع يؤدي إلى انخفاض قدرته على التركيز وعدم القدرة على مواصلة القراءة لفترات طويلة، موضحا أن جلوس الطفل طويلا أمام الشاشات، وهيمنة الميديا عليه يؤدي كذلك إلى اختصار وقت القراءة. 
ولفت إلى أهمية دور الأسرة والمدرسة في غرس عادة القراءة لدى الطفل، إضافة إلى ضرورة الاهتمام بجودة كتاب الطفل من حيث المادة المقدمة، وجودة الطباعة، والألوان الجاذبة، والإخراج الجيد.
كما تطرق الزراع إلى غياب التكامل بين الكتاب والتكنولوجيا، مشيرا إلى أن الشكل التقليدي للكتاب لم بعد جاذبا للطفل الذي ينتظر كتابا تفاعليا يجمع بين الورقي والتكنولوجي، كما أوضح أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والحصول على المعلومات بسرعة لا تتجاوز عدة ثوان، أدى إلى الانصراف عن القراءة من الكتاب.
بدورها أشارت الدكتورة أسيل شوارب، إلى أن السنوات الأولى من عمر الإنسان تُعد المرحلة الأكثر حرجا وحساسية في تشكيل البنية العصبية للدماغ؛ إذ يبني الطفل خلال هذه الفترة الأساس البيولوجي والنفسي الذي تقوم عليه قدراته العقلية والانفعالية طوال حياته. 
وقالت إن المتابعات العلمية طويلة المدى للأطفال، أثبتت أن التعرض المفرط للشاشات الإلكترونية قبل بلوغ سن الثانية، يتسبب في حدوث حالة تُعرف بـ "النضج المتسارع غير الطبيعي" في شبكات الدماغ المسؤولة عن المعالجة البصرية والتحكم الذاتي، ويؤدي هذا الخلل المبكر إلى تداعيات مستقبلية سلبية خلال مرحلة المراهقة، تظهر بوضوح في صورة ضعف مهارات اتخاذ القرار وارتفاع مستويات القلق والتوتر. 
وأضافت أن الاستهلاك الكثيف والمستمر لمنصات الفيديوهات القصيرة يؤدي إلى إضعاف "مدى الانتباه" لدى الأطفال، مما ينعكس سلبا على تحصيلهم الأكاديمي وقدرتهم على التركيز العميق، موضحة أن ذلك يعود إلى اعتماد هذه المنصات على آليات تحفيز سريعة لمادة الدوبامين، مما يُرهق القشرة الجبهية للدماغ التي تكون في مراحل نموها الأولى وغير مكتملة القدرة بعد.
 وبحسب الدكتورة شوارب؛ تُظهر الدراسات اللغوية بوضوح تفوق "القراءة الورقية بصوت عا ل" من قبل الوالدين أو المعلمين؛ إذ تسهم في خلق تواصل لغوي وعاطفي غني من خلال الحوارات الجانبية، وطرح الأسئلة المفتوحة، وتلمس الصفحات. في المقابل، تفشل الكتب الإلكترونية في تحقيق هذا الأثر نظرا لما تحتويه من عناصر بصرية وصوتية مشتتة تحول الطفل من قارئ نشط ومُتفاعل إلى مُتل ق سلبي.
ودعت شوارب إلى ضرورة تكثيف برامج تدريب المعلمين والأهل على استراتيجيات القراءة الحوارية لتعويض الفجوة التواصلية التي خلفتها التكنولوجيا.