الإكراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي... جريمة تتجاوز الشاشة إلى إرادة الإنسان
الإكراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي... جريمة تتجاوز الشاشة إلى إرادة الإنسان
المحامي الدكتور بدر عبد الكريم الزيود
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الآراء، بل أصبحت في بعض الحالات وسيلة لممارسة ضغوط غير مشروعة على الأفراد، قد تصل إلى حد الإكراه المادي أو المعنوي، بما يمس حرية الإنسان وإرادته ويؤثر في قراراته وتصرفاته. ومع اتساع الفضاء الرقمي، برزت أنماط جديدة من الإكراه تتخذ صورًا متعددة، كالتشهير، والابتزاز، والتهديد بنشر الصور أو المحادثات الخاصة، أو الإساءة إلى السمعة، وهي أفعال قد تدفع الضحية إلى القيام بتصرفات لم تكن لتقدم عليها لولا هذا الضغط غير المشروع.
ويقصد بالإكراه المادي كل وسيلة تنطوي على استعمال القوة أو التهديد باستعمالها بما يؤدي إلى سلب إرادة الشخص أو الحد من حريته في الاختيار، بينما يتمثل الإكراه المعنوي في الضغط النفسي أو التهديد الذي يثير الخوف في نفس المجني عليه، ويدفعه إلى القيام بعمل أو الامتناع عنه دون رضاه الحقيقي.
وفي البيئة الرقمية، قد يتحقق الإكراه من خلال رسائل إلكترونية أو منشورات أو تسجيلات صوتية أو مرئية، أو عبر تهديد الضحية بنشر معلومات أو صور خاصة، أو بإلحاق الضرر بسمعته أو عمله أو أسرته، الأمر الذي يجعل وسائل التواصل الاجتماعي أداة فعالة في ارتكاب هذا النوع من الجرائم.
وقد أدرك المشرع الأردني خطورة هذه الأفعال، فنظمها من خلال أحكام قانون الجرائم الإلكترونية الأردني، إلى جانب أحكام قانون العقوبات الأردني، حيث تجرم أفعال التهديد والابتزاز والذم والقدح والتحقير وانتهاك الخصوصية متى توافرت أركانها القانونية، وتشتد المسؤولية عندما يكون الهدف حمل المجني عليه على القيام بعمل أو الامتناع عنه خلافًا لإرادته.
كما استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية على أن العبرة ليست بوسيلة التهديد، وإنما بالأثر الذي يتركه في إرادة المجني عليه، فإذا كان من شأنه أن يولد خوفًا جديًا يدفع الشخص العادي إلى الاستجابة، فإن الإكراه يكون متحققًا متى ثبتت باقي عناصر الجريمة بالأدلة القانونية.
إن مواجهة الإكراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تقتصر على العقوبة، وإنما تبدأ بالوعي القانوني، وعدم الاستجابة للمبتزين، والمحافظة على الخصوصية الرقمية، والإبلاغ الفوري عن أي تهديد أو ابتزاز لدى الجهات المختصة، لأن التهاون مع هذه الجرائم يشجع مرتكبيها على التمادي، بينما يسهم الإبلاغ في حماية المجتمع وتعزيز الثقة بسيادة القانون.
وفي ظل التطور التقني المتسارع، أصبح من الضروري تعزيز الثقافة القانونية الرقمية، وتطوير آليات الكشف والتحقيق في الجرائم الإلكترونية، بما يضمن حماية حرية الإنسان وإرادته، ويؤكد أن الفضاء الإلكترون