"نقابة الفنانين الأردنيين" .. القرار الأصعب والاختيار الأذكى ..
"نقابة الفنانين الأردنيين" .. القرار الأصعب والاختيار الأذكى ..
بقلم: فيصل تايه
في خضم حالة الجدل التي رافقت الإجراءات المتعلقة بعضوية عدد من الفنانين في نقابة الفنانين الأردنيين، وما صاحب ذلك من نقاشات واسعة وتباين في وجهات النظر عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، جاء البيان الأخير الصادر عن مجلس النقابة بتعليق تنفيذ قرار شطب العضوية ومنح فرصة أخيرة لتصويب الأوضاع المالية والنقابية، ليشكل محطة مهمة في مسار هذه القضية، ويؤكد أن إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بالقدرة على اتخاذ القرار، بل بالقدرة على إدارة تداعياته بحكمة ومسؤولية.
إن القراءة المتأنية لهذه الخطوة تكشف أنها ليست تراجعاً عن مبدأ سيادة النظام والقانون، ولا خضوعاً لضغوط اللحظة، وإنما تعبير عن وعي نقابي يدرك أن قوة القرار لا تكمن في صرامة الإجراء وحدها، بل في قدرته على تحقيق الغاية التي صدر من أجلها ، فاعادة توجيه مسار القرار لصالح الاحتواء هو قمة الشجاعة الإدارية التي تثبت ثقة النقابة بنفسها وبأنظمتها وبأنها قادرة على تصويب المسار دون المساس بالجوهر؛ فهناك فرق كبير بين التخلي عن المبدأ، وبين إعادة تنظيم مسار التنفيذ بما يفتح باب التصحيح ويحفظ للنقابة هيبتها وللأعضاء مكانتهم.
لقد أكدت النقابة أن الإجراءات التي اتخذتها جاءت مستندة إلى الأطر القانونية والإدارية الناظمة للعمل النقابي، وأن الالتزام بهذه الأطر يمثل أساس الاستمرارية والعدالة . وفي الوقت ذاته، فإن منح فرصة إضافية يعكس إدراكاً عميقًا بأن المؤسسات النقابية المهنية ليست مجرد أنظمة ولوائح، وإنما هي بيوت تجمع أصحاب رسالة، وأن الحكمة الإدارية تقتضي دائماً البحث عن المساحات التي تجمع بين تطبيق القانون وحماية الروابط الإنسانية والمهنية.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة؛ فالقضية لم تكن مجرد التزام مالي أو إجراء نقابي فحسب، بل حملت في أبعادها جانباً نفسياً ومعنوياً يتعلق بعلاقة الفنان بنقابته ، وبمدى شعوره بأن تاريخه ومكانته محل تقدير واحترام. وفي المقابل، حملت جانباً مؤسسياً يتعلق بحق النقابة في حماية أنظمتها وصناديقها وضمان قدرتها على أداء رسالتها تجاه جميع أعضائها.
ومن الخطأ اختزال هذه المعادلة في طرف منتصر وطرف خاسر؛ فالمؤسسات النقابية الناجحة لا تبحث عن انتصار على أبنائها، كما أن الفنان الحقيقي لا يعلو فوق نقابته التي ينتمي إليها. لذلك فإن العلاقة الصحية بين الفنان ونقابته تقوم على قاعدة راسخة من الاحترام المتبادل: فالنقابة تحفظ تاريخ الفنان وكرامته، والفنان يحترم النظام الذي يحمي مستقبله ومستقبل زملائه.
إن القامات الفنية التي شملتها الإجراءات الأخيرة ليست مجرد أسماء في سجلات إدارية، وإنما هي أسماء صنعت جزءًا من الذاكرة الفنية الأردنية، وأسهمت في بناء المشهد الثقافي الوطني، وتركت بصمات لا يمكن تجاوزها. وتقدير هذا التاريخ ليس منحة من أحد، بل هو اعتراف مستحق لكل من حمل رسالة الفن وأسهم في رفعة صورته. وفي الوقت ذاته، فإن احترام القامات لا يتعارض مع احترام القانون؛ بل إن المؤسسات التي تقدر روادها هي ذاتها التي تحرص على القواعد التي تضمن استمرارها وعدالتها.
لقد كشفت هذه المرحلة أيضاً عن حاجة المشهد الفني إلى تجاوز لغة المناكفة والتراشق، والعودة إلى لغة الحوار المسؤول. فالتعبير عن الرأي حق مشروع، والنقد البناء جزء من أي حياة مهنية سليمة، لكن تحويل الخلافات الداخلية إلى مواجهات مفتوحة عبر وسائل الاعلام والفضاء الرقمي لا يخدم المؤسسة ولا يحفظ مكانة الفنان. فالنقابات الوطنية المهنية لا تُدار بصخب اللحظة، وإنما بالحوار والأنظمة والرؤية بعيدة المدى.
إن تعليق تنفيذ قرار شطب العضوية لا ينبغي فهمه باعتباره انتصار طرف على طرف، بل باعتباره فرصة جديدة لتغليب المصلحة العامة، وإعادة بناء الثقة، وفتح باب التصويب أمام الجميع. وهي في الوقت ذاته مهلة تاريخية تضع المعنيين بالقرار أمام مسؤولية مباشرة للاستجابة السريعة وتصويب الأوضاع؛ فالمرونة الممنوحة اليوم هي بوابة للالتزام الحقيقي وليست مبرراً للانتظار؛ فالحزم لا يعني القسوة، والمرونة لا تعني الضعف، والقيادة المؤسسية الحقيقية لا تظهر فقط عند اتخاذ القرار، بل تظهر أكثر في القدرة على إدارة آثاره بحكمة وبعد نظر.
وفي العمق، فإن الالتزام تجاه النقابة ليس مجرد التزام مالي أو إجراء إداري، بل هو عقد تضامني وأخلاقي بين أبناء المهنة الواحدة. فصناديق التقاعد والتأمين والخدمات النقابية ليست مجرد موارد مالية، وإنما هي مظلة أمان تحفظ كرامة الفنان في مراحل مختلفة من حياته، وتحمي حقوق الأجيال التي ستأتي بعده. ومن هنا فإن المحافظة عليها مسؤولية مشتركة بين النقابة وأعضائها على حد سواء.
إن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة تجاوز للخلاف والانطلاق نحو ما هو أهم: بناء مشروع فني أردني أكثر حضوراً، ودعم الإبداع والمواهب الشابة، وتعزيز الإنتاج الفني، واستعادة الدور الذي يليق بالفن الأردني في المشهد العربي. فالفن الذي صنع الذاكرة الوطنية يستحق بيئة نقابية مستقرة قادرة على حماية المبدع وفتح آفاق جديدة أمامه.
إن الأزمات لا تكشف ضعف النقابة فقط، بل تكشف قدرتها على النضج. والنقابة القوية ليست التي لا تواجه اختلافاً، وإنما التي تعرف كيف تحول الاختلاف إلى فرصة لتعزيز الثقة وتجديد العهد بين أبنائها.
وفي النهاية، فإن هيبة النقابة لا تُبنى بإبعاد قاماتها، كما أن مكانة الفنان لا تُصان بالابتعاد عن نقابته ؛ فالطريق الأجدى هو طريق التوازن: قانون يحفظ النظام، وحكمة تحفظ الإنسان، ورسالة فنية تجمع الجميع تحت مظلة واحدة.
وستبقى نقابة الفنانين الأردنيين، بما تختزنه من تاريخ ورمزية، أكبر من أي أزمة عابرة، لأنها لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى مساحات للنضج، ولا تُعرف قوتها عندما تتفق الأصوات، بل عندما تختلف الأصوات وتبقى المظلة واحدة.
وحين تنتصر الحكمة على الانفعال، وتنتصر النقابة على أزمتها، يكون الفن الأردني هو الرابح الأكبر.
والله المستعان.