كتب د. احمد زياد ابو غنيمة: حديث الفساد.. ومحاسبة "الرُّعاة" قبل "الأدوات"!


بداية؛ دعوني أعترف بصدق؛ أكتبُ سطوري هذه وفي القلب غصة، وبشعورٍ عميق من الغضب تجاه كل من أوصلنا إلى ما نحن فيه من تراجع وخيبات. إنني أؤمن يقيناً بأنه لا خيمة فوق رأس أحد، ولا أحد فوق القانون، سواء كان مسؤولاً يجلس على قمة الهرم في مؤسسته، أو مواطناً بسيطاً يطارد رزقه ورزق عياله؛ فمسطرة العدالة والمحاسبة يجب أن تُقاس بها هامات الجميع بلا استثناء ولا محاباة!
***
وبعد،،
يضجّ الشارع الأردني هذه الأيام بأحاديث الفساد ونتائجه الكارثية التي أثقلت كاهل الوطن. ولا يختلف اثنان على أن محاسبة من يثبت تورطه في الفساد هي ضرورة قانونية ووطنية لا يُماري فيها عاقل، وهي مطلب حق؛ ولكن دعونا نتحدث بصراحة ودون مواربة!
في الحقيقة، إن من يجب أن تُنصب له مشانق المحاسبة أولاً، هو ذلك "المسؤول" – في أي موقع كان، أمام الستار أم خلف الستار – الذي قام بإيصال هؤلاء إلى مواقع القرار، وهو يعلم يقيناً أنه يضع يده بيد "فاسد" أو "مشروع فاسد" ينتظر فرصته الذهبية ليمارس فساده "المدعوم" والمُحصّن.
هؤلاء الرعاة هم من يجب محاسبتهم قبل غيرهم؛ كل من أوصل فاسداً، أو مرتشياً، أو سيء الأخلاق، إلى مواقع لا يستحقونها ولا ترتقي إليها قاماتهم. لقد جاؤوا بهم إما بـ "الدفع الرباعي"، أو عبر هبوط اضطراري بـ "الباراشوتات"، أو - مجازاً - "على ظهر دبابة"!
هؤلاء "العرّابون" هم الفاسدون الحقيقيون في هذا البلد، وهم من يجب أن تُكفّ أيديهم عن العمل فوراً، وتحويلهم للمحاكم المختصة ومحاسبتهم بلا تردد؛ أما أولئك الذين يظهرون على الشاشة في واجهة المشهد، فما هم سوى مجرد أدوات "رخيصة" تؤدي دورها المرسوم، وتقتنص الفرصة لإثبات جدارتها في ممارسة الخراب والنهب والفساد المالي والاخلاقي.
****
ولكم في بعض مؤسسات المجتمع المدني خير مثال؛ إذ أسمع – كما يسمع غيري – عن فاسدين في مراكز قرار داخل بعض هذه المؤسسات، اقترضوا عشرات الآلاف من أموال صناديقها هم ومحاسيبهم، ولم يسددوا فلساً واحداً منذ سنوات طويلة. لماذا؟ لسبب بسيط جداً: أنهم جاؤوا "على ظهر دبابة" ( مجازا؛ واللبيب من الإشارة يفهم) ، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم أو مجرد سؤالهم: "أين أموال الصناديق يا فسدة؟"، ومن اعطاهم ابتداءا الضوء الاخضر " لاستباحة اموال الآخرين بلا حسيب او رقيب " ؟؟!!.
****
متى ندرك أخيراً أن تجفيف منابع الفساد في أردننا يبدأ بمحاسبة "الزارع" قبل أن نكتفي بلعن "الثمرة" الفاسدة؟!
هل نحتاج لأن تقع المصيبة أولاً قبل أن تبدأ الجهات المختصة بالبحث والتنقيب عن هؤلاء الفاسدين؟؟!!..
أرجو ألا تكون هذه المحاسبات مجرد "زوبعة في فنجان" أو محاولة لـ "التضحية بكبش فداء" لذر الرماد في العيون، فالسكوت عن الفاسد اليوم سيحرق مؤسساتنا غداً، ووطننا بعد غد -لا سمح الله-، ولنتذكر دائماً قول أجدادنا العرب: "إنما النار من مستصغر الشرر"!!