صراع الذكاء الاصطناعي بين الصين وامريكا يتصاعد

تحولت المنافسة على صدارة الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة من سجال نظري إلى صراع مركب يتداخل فيه التمويل الضخم والضوابط التنظيمية وحروب الأسعار. وبرزت صورة كل طرف في عيون الرأي العام العالمي كعنصر أساسي في هذا الصراع.

ومع ظهور نماذج صينية مفتوحة جديدة، تتضح ملامح ما يمكن تسميته بـ"حرب رقمية باردة"، حيث يتساءل الجميع: من سيحكم عصب الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي؟

كشفت صحيفة بكين اليومية عن ضخ استثنائي في رأسمال شركة "ديب سيك" الصينية، التي حصلت على تمويل من الفئة الأولى بقيمة تقارب 51 مليار يوان (نحو 7.5 مليار دولار). كما حصلت الشركة على تقييم يناهز 4 تريليونات يوان (حوالي 591 مليار دولار) بفضل مشاركة عمالقة الإنترنت المحليين مثل تينسنت وجي دي ونت إييز.

وأضاف التقرير أن صندوق الاستثمار الوطني لصناعة الذكاء الاصطناعي انضم إلى قائمة الممولين، مما يضع "ديب سيك" في قلب استراتيجية رسمية ترى في الذكاء الاصطناعي بنية تحتية وطنية وليست مجرد منتج رقمي. وأوضح أن هذا التزاوج بين رأس المال الخاص الضخم ورأس المال شبه السيادي يعكس رؤية الصين لخوض سباق طويل المدى.

في المقابل، يبرز في الجانب الأمريكي نموذج "كلاود فيبل 5" من شركة "أنثروبيك" كأحد أبرز الابتكارات في الذكاء الاصطناعي، حيث وصف مؤسس غوغل سيرغي برين هذا النموذج بأنه يمثل ذكاء اصطناعي عام خالص. وأشار رائد الأعمال الهندي أميت ياداف إلى أن النموذج استطاع بناء نسخة كاملة من لعبة "ماينكرافت" خلال 37 دقيقة وبكلفة محدودة.

لكن الاختبار الأبرز جاء من شركة "سترايب"، التي حولت مهمة ترحيل شفرة يفترض أن تستغرق شهرين إلى إنجازها في يوم واحد باستخدام نموذج "فيبل 5"، مما يبرز القفزة الكبيرة في القدرات التقنية. ومع ذلك، تحولت هذه القفزة التقنية إلى مصدر قلق سياسي، حيث اكتشف باحثو أمازون أن النموذج يمكن أن ينتج شفرات تستخدم لاستغلال ثغرات إلكترونية.

وتجلى البعد السيادي من خلال قرار وزارة التجارة الأمريكية بحظر تصدير "فيبل 5" و"مايثوس 5" إلى المستخدمين غير الأمريكيين. هذا القرار فرض قيوداً على "أنثروبيك" وأجبرها على إيقاف النموذج عالمياً، مما يعد أول استخدام واسع لأداة رقابة الصادرات ضد نموذج تجاري متاح للجمهور.

واستغل الحظر الفراغ الذي حدث في السوق، حيث قفزت قيمة "أنثروبيك" لتتجاوز "OpenAI" في التقييم. وفي هذا السياق، برزت شركة "جي بو" الصينية مع نموذجها "GLM 5.2"، الذي أظهرت التقارير الإعلامية أنه تفوق على "فيبل 5" في بعض مقاييس الاستدلال المنطقي.

وعلى الرغم من أن التقارير لا تدعي تفوقاً كاملاً، إلا أنها تشير إلى أن هذه الخصائص تكفي لمنح نموذج "GLM 5.2" قدرة على استيعاب جزء مقبول من الطلب العالمي المحروم من "فيبل 5". وفي سياق آخر، تطرح صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" قراءة شاملة على لسان الباحث لي تشنغ من جامعة هونغ كونغ، حيث يرى أن هيمنة الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي تواجه تحديات هيكلية على المدى الطويل.

لكن الدراسة تشير إلى أن واشنطن ما زالت متفوقة في مجال الرقائق المتقدمة والبنية التحتية السحابية، بينما تقدم الصين في مجال الطاقة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويرجع ذلك إلى ضخ بكين استثمارات ضخمة في أبحاث وتطوير الرقائق خلال العقد الماضي.

وفيما يتعلق بالسوق التجارية، رصدت "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" اندلاع حرب أسعار في السوق الصينية، حيث خفّضت شركات كبرى مثل "بايت دانس" و"تينسنت" أسعارها، مما يجعل السعر سلاحاً أساسياً في الاستحواذ على المستخدمين.

بينما استطاع نموذج "GLM 5.2" رفع أسعار واجهته البرمجية بشكل ملحوظ مع زيادة كبيرة في الطلب، مما يعكس تحول بعض النماذج الصينية نحو التسعير المرتبط بالميزة النوعية. وعلى المستوى الدولي، يكشف استطلاع عن انطباعات المشاركين في 11 بلدا أن الكثيرين يرون أن الصين تتقدم في سباق الذكاء الاصطناعي.

لكن الاستطلاع أظهر فجوة في الثقة، حيث حلت النماذج الأمريكية في مرتبة متقدمة من حيث "صافي الثقة". بينما جاءت الصين بقيمة سالبة، مما يعني أن التحدي أمام بكين لا يقتصر على اللحاق تقنياً، بل يمتد إلى بناء سردية مقبولة عالمياً حول سلامة استخدام نماذجها.

وفي خلفية هذا السباق، تواصل الصين انتقاد سياسة الولايات المتحدة التي تسيس قضايا التجارة والتكنولوجيا، بينما تعكس الحواجز الأمريكية استعداد واشنطن للتحكم في من يمكنه الوصول إلى قدرات متقدمة.

وبينما توقّع إيلون ماسك أن تصل النماذج الصينية إلى مستوى "فيبل" خلال الربع الأول من عام 2027، يعلق مختصون أن الفجوة لم تعد تقاس بالسنوات بل بالأشهر. ومع صعود نماذج مثل "GLM 5.2"، يبدو أن حرب الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة تقترب من مرحلة جديدة من التنافس.