الإيصالات الورقية: عبء بيئي يتجاوز مجرد وثيقة شراء
بينما يتجه العالم نحو التحول الرقمي، تواصل مليارات الإيصالات الورقية الخروج من آلات الطباعة يومياً لتوثيق معاملات مصرفية وتجارية لا تستغرق سوى ثوان معدودة. يحصل المستهلك مع كل عملية شراء على قصاصة ورقية سرعان ما تفقد أهميتها، فتتكدس في قاع حقيبة أو تُنسى في درج قبل أن تنتهي في سلة المهملات.
ورغم حجم الإيصال الصغير، فإنه يخفي سلسلة طويلة من التكاليف البيئية. تبدأ هذه التكاليف من قطع الأشجار، مرورًا باستهلاك كميات كبيرة من المياه والطاقة، وانتهاءً بالنفايات التي يصعب التخلص منها. وكثيرًا ما تتسرب مكونات هذه الإيصالات إلى التربة والمياه، والأسوأ أن معظمها لا يمكن إعادة تدويره، مما يضيف عبئًا جديدًا على البيئة مقابل قصاصة ورقية يحتفظ بها كثيرون لدقائق فقط.
الإيصالات ليست اختراعًا حديثًا، إذ تعود جذورها إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، حين كان التجار السومريون يوثقون معاملاتهم على ألواح طينية. تشير روايات تاريخية إلى أن المصريين القدماء استخدموا الإيصالات لأغراض إدارية وضريبية، مسجلين العمليات التجارية على قطع الفخار أو قصاصات من ورق البردي. أما الإيصالات الحرارية التي نعتمد عليها اليوم فلم تظهر إلا في منتصف الستينات، ثم تحولت إلى الشكل الأكثر انتشارًا في المتاجر والبنوك ومراكز الخدمات حول العالم.
مع تزايد الحديث عن الاستدامة، أصبحت الإيصالات الورقية موضع انتقاد متزايد. تشير تقديرات بيئية إلى أن إنتاجها يستهلك سنويًا نحو 25 مليون شجرة و22 مليون برميل من النفط و18 مليار لتر من المياه. وبحسب حملة "تجنب الإيصال الورقي" التابعة لمنظمة "غرين أمريكا"، تستهلك الإيصالات الورقية في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 3.6 مليون شجرة وما يقارب 9 مليارات غالون من المياه سنويًا، وينتج عنها أكثر من 4 مليارات رطل من ثاني أكسيد الكربون و302 مليون رطل من النفايات الصلبة خلال عملية الإنتاج.
في المملكة المتحدة، يتم طباعة أكثر من 11 مليار إيصال سنويًا بتكلفة لا تقل عن 32 مليون جنيه إسترليني، مما يستلزم قطع عدد من الأشجار يفوق مجموع الأشجار الموجودة في الحدائق الملكية الثماني في لندن كل عام. تتعقد المشكلة مع انتشار الورق الحراري المستخدم، إذ يحتوي على مواد كيميائية مثل "بيسفينول إيه" و"بيسفينول إس"، مما يجعل إعادة تدوير هذه الإيصالات أكثر صعوبة مقارنة بالورق العادي.
تأثير الإيصالات الورقية لا يقتصر على البيئة. دراسة نشرها "إيكولوجي سنتر" في الولايات المتحدة عام 2018 أظهرت أن 93% من الإيصالات الورقية تحتوي على البيسفينول، الذي يمكن أن يمتصه الجسم عبر الجلد عند لمس الإيصالات. ربط الباحثون التعرض لمادة "بيسفينول إيه" بعدد من المشكلات الصحية، بما في ذلك اضطرابات الإنجاب ومشكلات الغدة الدرقية وزيادة خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان. ومع تزايد الانتقادات، بدلتها بعض الشركات بمادة "بيسفينول إس" باعتبارها خيارًا "أكثر أمانًا"، إلا أن أبحاثًا حديثة تشير إلى أن المخاطر الصحية للمادة البديلة قد تكون متقاربة.
لكن ماذا يحدث إذا تخلت سلسلة واحدة عن الإيصالات الورقية؟ تقدّر "غرين أمريكا" أنه إذا توقفت سلسلة متاجر كبيرة مثل "وولغرينز" عن استخدام الإيصالات، يمكن إنقاذ أكثر من 55 ألف شجرة سنويًا وتوفير نحو 58.8 مليون غالون من المياه. تجربة سلسلة صيدليات "سي في إس" الأمريكية تظهر ذلك بوضوح، فبعد أن أتاحت لعملائها خيار الإيصال الرقمي أو الاستغناء عنه، وفرت عام 2020 نحو 90 مليون ياردة من الورق، وهو طول يكفي للف الكرة الأرضية مرتين.
رغم أهمية الإيصال كإثبات للشراء والاسترجاع، فإن تزايد الوعي البيئي والاعتياد على الخدمات الرقمية جعلا كثيرين يفضلون البدائل التي ترسل عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية. دراسة حديثة لشركة "يوكودا" أظهرت أن 88% من المتسوقين بين 18 و35 عامًا يفضلون الإيصالات الرقمية، لما توفره من سهولة في الحفظ والبحث. وعلى الرغم من أن الإيصالات الرقمية ليست بلا أثر بيئي، فإن بصمتها الكربونية تظل أقل بكثير من نظيرتها الورقية.
يمكن الحد من أثر الإيصالات الورقية عبر مجموعة من الخطوات المشتركة بين الشركات والمستهلكين. بالنسبة للشركات، يجب إتاحة خيار الإيصال الرقمي وعدم الطباعة تلقائيًا إلا عند الطلب، واستخدام أنواع من الورق خالية من مركبات البيسفينول قدر الإمكان. أما بالنسبة للمستهلكين، فيجب طلب الإيصال الرقمي كلما كان ذلك ممكنًا. إذا كان لابد من الإيصال الورقي، يفضل طيه بحيث يكون الجانب المطبوع للداخل، وغسل اليدين بالماء والصابون بعد لمس الإيصالات.
في ضوء هذه المعطيات، لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كان بالإمكان الاستغناء عن الإيصالات الورقية، بل متى سيصبح التخلي عنها الخيار الطبيعي في عالم يسير بخطى سريعة نحو الرقمنة والاستدامة.