بقلم عدنان نصّار: المثقف والسياسي في الأردن… من يقود الآخر؟
في الدول التي تنمو فيها الثقافة بوصفها قوةً ناعمة، لا يبدو السؤال عن العلاقة بين المثقف والسياسي سؤالًا ترفيًا، بل سؤالًا يمسّ جوهر الدولة واتجاهها. فمن يقود الوعي العام؟ ومن يرسم صورة المستقبل؟ هل المثقف هو من يضيء الطريق للسياسي، أم أن السياسي هو من يحدد للمثقف حدود الضوء ومساحات الظل؟
في الأردن، تبدو العلاقة بين الثقافة والسياسة أكثر تعقيدًا من مجرد تبعية مباشرة أو استقلال كامل. فالمشهد الثقافي، على امتداد عقود، عاش حالة من المدّ والجزر، بين مثقفٍ يرى نفسه ضميرًا للمجتمع، وآخر وجد نفسه – طوعًا أو اضطرارًا – يدور في فلك القرار السياسي، يصفّق حين يُطلب التصفيق، ويصمت حين يصبح الكلام مكلفًا.
وعلى مدى أكثر من خمسةٍ وثلاثين عامًا في العمل الصحفي، وبموازاة الرحلة ذاتها ككاتب قصةٍ مشغولٍ بأسئلة الإنسان والمجتمع، قابلتُ وحاورتُ كثيرًا من المثقفين والسياسيين، بعضهم غابوا عن الدنيا وبقيت أصواتهم وأسئلتهم معلّقة في الذاكرة. وخلال عملي في الصحافة الأردنية، متنقلًا بين يوميتي «الدستور» و«العرب اليوم»، وأسبوعيتي «المجد» و«نداء الوطن»، كنتُ قريبًا من نبض المشهد الثقافي والسياسي معًا، أراقب المسافة الملتبسة بين الكلمة والقرار، وبين الحلم والواقع.
وكنتُ أطرح السؤال ذاته في كل مرة تقريبًا: لمن الغلبة… للسياسي أم للمثقف؟ وكانت الإجابات تتبدّل بتبدّل الأشخاص والمراحل؛ فسياسيون رأوا أن القرار هو من يصنع الواقع، وأن الثقافة تأتي لاحقًا لتفسيره أو تبريره، فيما أصرّ مثقفون على أن الأفكار هي التي تمهّد الطريق للسياسة، وأن السياسي – مهما امتلك من أدوات – يبقى محتاجًا لمن يقرأ المجتمع بعيون أبعد من الحسابات اليومية. لكن ما خرجتُ به بعد كل تلك السنوات، أن العلاقة بينهما ليست معركة غلبة بقدر ما هي اختبار دائم: من يمتلك القدرة على التأثير الحقيقي في وعي الناس ومستقبلهم؟
لكن الإنصاف يقتضي القول إن المثقف الأردني لم يكن يومًا غائبًا تمامًا. فقد لعب دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الوطني، ورافق تحولات الدولة منذ بداياتها، وكتب عن الفقر والهوية والتعليم والعدالة والحرية. غير أن السؤال المؤلم يبقى حاضرًا: لماذا تراجع تأثير المثقف في السنوات الأخيرة؟ ولماذا بدا السياسي أكثر حضورًا في صناعة الرأي من صاحب الفكر والقلم؟
ربما لأن الثقافة في الأردن لم تُمنح المكانة التي تستحقها باعتبارها استثمارًا وطنيًا طويل الأمد، بل جرى التعامل معها أحيانًا كملف هامشي أو نشاط موسمي. فالمؤسسات الثقافية تعاني محدودية التأثير، والمنتج الثقافي يواجه ضعف الدعم، بينما تحوّل كثير من المثقفين إلى متابعين للمشهد بدل أن يكونوا شركاء في تشكيله.
في المقابل، يبدو السياسي الأردني – في كثير من الأحيان – حذرًا من المثقف المستقل، لأنه يطرح الأسئلة الصعبة، ويقرأ ما وراء الخطاب، ويذكّر الناس بأن التنمية ليست أرقامًا فقط، بل وعيًا وعدالةً وإحساسًا بالكرامة.
غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في السؤال: هل المثقف يتبع السياسي أم السياسي يتبع المثقف؟ بل في أن العلاقة بينهما فقدت توازنها الطبيعي. ففي المجتمعات الحيّة، يحتاج السياسي إلى المثقف كي يرى ما لا تقوله التقارير الرسمية، ويحتاج المثقف إلى السياسي كي تتحول الأفكار إلى سياسات ومشاريع حياة.
الثقافة ليست ترفًا في بلد يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، بل هي خط الدفاع الأول عن الوعي، والحصن الأخير أمام الإحباط والتطرف والانكفاء، والملاذ الأخير للوطن والإنسان. والمثقف الحقيقي ليس موظف تصفيق، كما أن السياسي الناجح ليس من يخشى النقد، بل من يصغي إليه.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المشهد الأردني: هل نريد ثقافة تقود الحوار الوطني، أم ثقافة تكتفي بالجلوس في المقاعد الخلفية تنتظر دعوةً إلى المنصة؟
فالأمم لا تُبنى بالسياسة وحدها، كما لا تنهض بالثقافة المعزولة… بل حين يمشي الفكر والقرار في الطريق ذاته، دون أن يبتلع أحدهما الآخر