قيود الأرشفة الرقمية تهدد ذاكرة الإنترنت وحرية الوصول للمعلومات

أصبحت ذاكرة الإنترنت مهددة بظروف جديدة تتجاوز اختفاء الروابط القديمة، حيث تتعلق هذه الظروف بكيفية حفظ الويب نفسه وإمكانية أرشفته. مع تزايد استخدام البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بدأت بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى في تقييد أو حظر أدوات الأرشفة الرقمية مثل "واي باك ماشين"، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الوصول إلى أرشيف الإنترنت.

في الأشهر الأخيرة، فرضت مؤسسات صحفية بارزة مثل "نيويورك تايمز" و"يو إس إيه توداي" قيودا على أدوات الأرشفة الرقمية. بعض هذه المؤسسات تحظر روبوتات الأرشفة تماما، بينما تقلص أخرى إمكانية الوصول إلى المحتوى المؤرشف، بدافع من مخاوف من استخدام المحتوى الصحفي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون إذن، في ظل تصاعد المواجهات القانونية بين شركات الإعلام وشركات الذكاء الاصطناعي حول حقوق النشر.

كشف تقرير حديث نشره "نيمان لاب" أن نطاق هذه القيود يتسع ليشمل أكثر من 340 موقعا إخباريا محليا في الولايات المتحدة، مما يشير إلى أن الظاهرة تتجاوز المؤسسات الكبرى وتمتد إلى الصحافة المحلية. في المقابل، أطلق صحفيون ومنظمات مدافعة عن الحقوق الرقمية حملة دعم لـ "أرشيف الإنترنت"، عبر رسالة مفتوحة وقعها أكثر من مئة صحفي، مشددين على أن الأرشيف يلعب دورا شبيها بالمكتبات العامة.

يرى مارك غراهام، مدير "واي باك ماشين"، أن القيود المتزايدة تشكل تحولا مقلقا في بنية الويب المفتوح. يقول غراهام إن مؤسسات مثل "نيويورك تايمز" تمتلك تأثيرا كبيرا على النظام الإعلامي، مما يجعل قراراتها تؤثر على كيفية الوصول إلى المعلومات والأرشيف الرقمي. كما يحذر من أن هذا الاتجاه يهدد قدرة الجمهور على الوصول إلى تاريخه الرقمي.

بينما تبرر العديد من المؤسسات القيود بمخاوف بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، يرفض غراهام تصنيف مشاريع الأرشفة الرقمية كجزء من المشكلة. "واي باك ماشين"، حسب قوله، لا تعمل كمنصة لاستخراج البيانات، بل كمكتبة رقمية تهدف إلى الحفظ طويل الأمد.

كما يتحدث غراهام عن الإجراءات التقنية التي اتخذتها الأرشيفات للحد من الوصول السريع إلى محتواها، موضحا أن هذه القيود تهدف إلى التعاون مع المؤسسات الإعلامية. ومع ذلك، يرى أن بعض المؤسسات التي تقيد الأرشفة لا تزال تعتمد على "واي باك ماشين" في تحقيقاتها، مما يثير تساؤلات حول ازدواجية التعامل.

يدعو الباحث إيان ميليغان إلى ضرورة التفريق بين أرشفة الويب كعملية حفظ رقمية وبين عمليات استخراج البيانات من قبل شركات الذكاء الاصطناعي. ويشير إلى أن العديد من الناشرين باتوا يربطون بين حظر "أرشيف الإنترنت" والمخاوف المتعلقة باستخدام المحتوى المؤرشف.

يعتقد ميليغان أن فقدان المحتوى الرقمي لم يعد نتيجة طبيعية لتآكل الروابط، بل أصبح أكثر تعمدا بفعل سياسات الحجب. بينما كان اختفاء المحتوى سابقا ناتجا عن عوامل طبيعية، أصبح اليوم مرتبطا بقرارات سياسية تحدد ما الذي سيبقى متاحا للأجيال القادمة.

خلال السنوات الأخيرة، شهدنا إغلاق منصات قديمة، وأصبح فقدان الصفحات الرقمية يشكل تهديدا للقدرة على كتابة تاريخ العصر الرقمي. لذا، فإن "واي باك ماشين" تعتبر أداة أساسية في التحقق من المعلومات وإعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث.

التداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من المؤسسات الإعلامية، حيث تمس طبيعة الذاكرة الرقمية نفسها. بينما كان يُنظر إلى اختفاء المحتوى سابقا كجزء من تآكل الروابط، يحذر ميليغان اليوم من أن فقدان المحتوى أصبح نتيجة لسياسات متعمدة.

في النهاية، لا تكمن خطورة اللحظة الحالية في اختفاء بعض صفحات الإنترنت، بل في أن فقدان الذاكرة الرقمية لم يعد مجرد نتيجة طبيعية لعمر الويب، بل يحدث أحيانا بفعل سياسات تحدد ما الذي سيبقى متاحا وما الذي سيختفي من السجل العام.