سمط الأضاحي في القاهرة: مهنة تتحدى حرارة الماء المغلي

في الساعة السادسة صباحا، تتسلل أشعة الشمس إلى حي المذبح القديم بالقاهرة، حيث يتهيأ الجميع لبداية يوم جديد. عربات اللحوم تفرغ حمولتها، بينما تستعد نساء المذبح لعرض "فواكه اللحوم" مثل الممبار، الكرش، الفشة ولحمة الرأس. وفي ركن من السوق، يفتح عم "علي الأمريكاني" دكانه، حيث يبدأ يومه بالغناء وهو يغمس الأقدام والرؤوس في الماء المغلي، متغنيا بمرقة لحم كبشه.

السمط، في اللغة العربية، يعني غمس الشيء في الماء المغلي لإزالة الشعر أو الريش عن الذبيحة. وفي المجال الطبي، تشير الكلمة إلى التسلخات والالتهابات الناتجة عن الاحتكاك أو حروق الماء الساخن. في هذا الركن من المذبح، يجتمع المعنيان حيث يعمل الرجال لساعات طويلة في سلخ وتنظيف رؤوس الذبائح والأحشاء باستخدام الماء المغلي. أيديهم تتعرض لأكثر من 12 ساعة يوميا لهذا الماء، ما يعرضهم للاحتمالات الالتهابية والتسلخ.

يقول علي الأمريكاني، الذي يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 50 عاما: "هناك أطفال في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من أعمارهم يحملون الأحشاء، بينما يتفرغ السماطون للتنظيف". وعلى فرش السمط في "جزارة الإخلاص"، يتحول المكان إلى خلية نحل خلال موسم عيد الأضحى، حيث يتناوب العديد من الرجال على مدار 24 ساعة، وتصل كمية الذبائح إلى أكثر من مئة رأس يوميا.

في الأيام الأكثر قسوة، يواجه العمال حرارة الشمس مع لهيب الماء تحت أيديهم، مما يجعل القفاز الطبي والكريمات العلاجية الخيار الوحيد للحفاظ على أيديهم. يقول أحد العمال: "أيدينا هي رأس مالنا، نخاف عليها مثل أولادنا"، مشيرا إلى أهمية الحفاظ على صحتهم لضمان استمرار العمل.

يتراوح الأجر اليومي للسماط بين 500 و600 جنيه، وقد يصل إلى ألف جنيه في أيام الموسم. تعتبر مهنة السمط من الأعلى أجرا في سوق المذبح، حيث يأتي الجزار في المرتبة الأولى بأجر يتراوح بين 1000 و1500 جنيه عن ذبح رأس الضأن. يروي أشرف، أحد السماطين، معاناته كأب لأربعة أبناء، بينما يوضح أن ابنته الصغرى محظوظة بتعلم ما تحب.

وكذلك يحمل محمد، الذي يعول أربعة أطفال، عبئا كبيرا، لكن منصور القادم من البراجيل يحمل عبئا مضاعفا مع 13 طفلا. يقول: "لا أحد منهم يدرس في المدرسة، جميعهم يعملون". في أيام العيد، لا يتوقف رزق السماطين عند فرشة المذبح، بل يخرج الكثير منهم إلى الشوارع للقيام بمهمة الذبح والتنظيف كعمل إضافي.

يقول أشرف: "أيام العيد لا نرتاح إلا مع رابع أيام العيد، وعندها نعود لمنازلنا لننام أسبوعا". ورغم التعب، يجد العمال متعة في الونس بينهم، حيث يتبادلون الحديث والنكات. ومع كل ذلك، يظل موسم الأضاحي مصدر رزق لا غنى عنه في سوق المذبح القديم.