تباطؤ اقتصاد لندن يهدد مكانتها المالية ويزيد من قلق بريطانيا
أظهر تقرير حديث لصحيفة "فايننشال تايمز" أن العاصمة البريطانية لندن تعاني من تباطؤ اقتصادي متزايد، مما يهدد مكانتها كمركز رئيسي للاقتصاد في المملكة المتحدة. وأشار التقرير إلى أن هذا التباطؤ يأتي في ظل تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتشار العمل عن بُعد، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة.
قال غابرييل غونزاليس، مالك مطعم "ليما" المتخصص في المطبخ البيروفي، إن لندن خلال أولمبياد 2012 كانت "تقريبا مركز العالم"، مضيفاً أن مطاعم منطقة فيتزروفيا كانت "مكتظة بالراغبين في الترفيه" ولكن الوضع تغير بشكل واضح اليوم.
وأضاف غونزاليس أن المطاعم أصبحت شبه فارغة خلال أوقات الذروة، حيث اعتبر أن النمو الاقتصادي "استقر بعد تصويت البريكست عام 2016"، وتفاقم بعد جائحة فيروس كورونا وارتفاع التكاليف. كما أوضح أنه يفضل البحث عن شركاء لتوسيع نشاطه في مدن مثل دبي أو زيورخ بدلاً من لندن.
أوضح التقرير أن العاصمة لا تزال تُنتج نحو ربع الناتج الاقتصادي البريطاني، و20% من الإيرادات الضريبية للبلاد. ومع ذلك، سجل اقتصاد لندن نمواً يعادل 10% فقط من معدل النمو الذي حققه قبل عقدين. كما شهد عدد سكان المدينة نمواً بطيئاً، حيث ارتفع بنسبة 2.3% فقط خلال السنوات الخمس الماضية، مقارنة بزيادة بلغت 8.2% في السنوات الخمس التي سبقت أولمبياد لندن.
في استطلاع أجرته الصحيفة، أشار أحد العاملين في حي المال والأعمال إلى أن "لندن كانت وجهة مفضلة قبل 10 سنوات، بينما أصبحت الآن مجرد محطة مؤقتة". وقد أبدى نحو 40% من المشاركين رغبتهم في مغادرة بريطانيا.
يرى الخبراء أن تراجع جاذبية لندن يمثل تهديداً لبريطانيا بشكل عام، نظراً للدور الحيوي الذي تلعبه العاصمة في تمويل الاقتصاد البريطاني. وقد قال أستاذ الإدارة المحلية في كلية لندن للاقتصاد، توني ترافرز، إن "ضمان استمرار تفوق لندن على المدن الأوروبية الأخرى كان يجب أن يكون أولوية قصوى"، ولكن ذلك لم يحدث.
وأضاف ترافرز أن صناع القرار اعتبروا لندن أمراً مسلماً به، رغم أن الإيرادات التي تحققها العاصمة أساسية لتمويل الخدمات العامة. ومن جانبه، حذر الرئيس التنفيذي لمركز المدن البحثي، أندرو كارتر، من أن "عدم نمو لندن يمثل مشكلة وطنية".
ويؤكد المحللون أن تباطؤ الاقتصاد لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى سلسلة من الصدمات المتتالية، بدءاً من الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم تعمقت الأزمة بعد استفتاء البريكست، قبل أن تتفاقم مع جائحة كورونا.
تعرّضت قطاعات المال والخدمات في لندن لضغوط كبيرة نتيجة التوترات التجارية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بينما تواجه شركات الضيافة والمطاعم تحديات مثل ارتفاع الضرائب والأجور، فضلاً عن تراجع الإقبال بسبب استمرار العمل من المنزل.
قال ليام سايدز من مؤسسة "أوكسفورد إيكونوميكس" إن سكان لندن أصبحوا يشعرون بأنهم أكثر فقراً، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار العقارات والضرائب بالإضافة إلى قروض الطلاب تضغط بشدة على الطبقة المتوسطة والشباب.
وأضاف سايدز أن تكاليف الحياة في لندن ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الست الماضية، كما تراجعت فوائد الاستثمار فيها.
على الرغم من أن لندن لا تزال تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد نيويورك وفقاً لتصنيف "أوكسفورد إيكونوميكس"، فإنها تواجه منافسة متزايدة من مدن بريطانية أخرى مثل مانشستر التي سجلت نمواً أسرع في الإنتاجية والأسعار منذ عام 2016. كما فقدت بعض القطاعات الاقتصادية في لندن جزءاً من مكانتها لصالح مدن أوروبية مثل أمستردام وفرانكفورت.
يشير الخبراء إلى أن أزمة السكن تُعتبر واحدة من أبرز أسباب تراجع جاذبية لندن، حيث فشلت الحكومات المتعاقبة في توفير مساكن ميسورة التكلفة للسكان.
ورغم الصورة القاتمة، لا تزال السلطات المحلية تراهن على قدرة لندن على التعافي بفضل تنوع اقتصادها ومكانتها العالمية. وقال هوارد دوبر، نائب رئيس بلدية لندن، إن المدينة لا تزال تجذب شركات التكنولوجيا والخدمات المالية بفضل الجامعات والكفاءات المتوفرة.
واعتبر دوبر أن "المدن الأكثر نجاحاً ستكون تلك التي تمتلك أكبر تنوع اقتصادي، ونحن ونيويورك نملك هذا التنوع". وأكد ترافرز أن لندن مرت بأزمات عدة عبر تاريخها، ولكنها دائماً ما نجت منها.