الحروب الحديثة تفتح أبواب الأوبئة في غزة والسودان

تتجاوز آثار الحروب الحديثة الأعداد التقليدية للقتلى والجرحى، حيث أصبحت النتائج الصحية الممتدة من الصراعات من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة.

مع تصاعد النزاعات في السنوات الأخيرة، أصبح استهداف البنية التحتية المدنية، مثل شبكات المياه والصرف الصحي، عنصراً محورياً في خلق كوارث إنسانية وأوبئة. هذا الوضع يهدد حياة ملايين المدنيين، الذين يواجهون الموت البطيء حتى بعد انتهاء القتال.

في مناطق النزاع، لا تتوقف المآسي عند حدود القصف أو النزوح، بل تبدأ مرحلة أكثر خطورة تتمثل في انهيار البيئة الصحية بالكامل. حيث تختلط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، وتتكدس النفايات، وتتعطل المستشفيات، مما يجعل المجتمعات بيئة خصبة لعودة الأمراض الفتاكة التي كانت تحت السيطرة لفترات طويلة.

تظهر التجارب الحديثة في غزة والسودان أن الحروب لم تعد تُدار بالسلاح فقط، بل أصبحت المياه جزءاً من معادلة الصراع، مما يهدد بتحويل الأزمات المحلية إلى أخطار صحية عالمية.

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية تمثل خط الدفاع الأول ضد الأمراض المعدية. انهيار هذه الخدمات يؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع معدلات الوفيات والأوبئة، خاصة بين الأطفال وكبار السن والنازحين.

المياه النظيفة ليست مهمة فقط للشرب، بل ترتبط بالنظافة الشخصية، وغسل الطعام، وتعقيم الأدوات الطبية، ومنع اختلاط الفضلات البشرية بمصادر الغذاء والمياه. وعندما تتعطل هذه المنظومة، تتحول المدن والمخيمات إلى بيئات مثالية لانتشار البكتيريا والفيروسات والطفيليات.

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الدول المتأثرة بالنزاعات تتحمل أكثر من 70% من عبء الأمراض المعرضة للأوبئة عالمياً، مثل الكوليرا والحصبة والتهاب السحايا. كما تسجل النسبة الأكبر من وفيات الأطفال والأمهات القابلة للتفادي.

توضح المنظمة أن الحروب تؤدي إلى "الانهيار المتزامن" لعناصر أساسية للحياة، تشمل المياه والغذاء والطاقة والرعاية الصحية. هذا الانهيار يزيد من احتمالات تفشي الأمراض بصورة يصعب السيطرة عليها.

في غزة، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع، تعرضت البنية التحتية للمياه والصرف الصحي لدمار واسع وغير مسبوق، أدخل القطاع في واحدة من أخطر الأزمات الصحية في تاريخه الحديث.

بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فقد تعرض أكثر من 85% من منشآت المياه والصرف الصحي في القطاع لأضرار مباشرة أو خرجت عن الخدمة. بينما تراجعت قدرة آبار المياه الجوفية إلى نحو ربع طاقتها الطبيعية بسبب القصف ونقص الوقود.

كما دمرت أو تضررت عشرات محطات ضخ مياه الصرف الصحي، مما أدى إلى تدفق كميات هائلة من المياه الملوثة إلى المناطق السكنية. ومع انقطاع الكهرباء، أصبحت محطات تحلية المياه عاجزة عن العمل بكفاءة، مما اضطر مئات الآلاف من السكان للاعتماد على مياه غير آمنة للشرب.

هذا الانهيار أدى إلى ظهور موجات متصاعدة من الأمراض المعدية، خاصة بين الأطفال. تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن التهابات الجهاز التنفسي والإسهال المائي أصبحت من أكثر الأمراض انتشاراً في القطاع.

في عام 2025، سجلت وزارة الصحة الفلسطينية 1862 حالة اشتباه بالتهاب السحايا، بما في ذلك حالات اشتباه بالتهاب السحايا البكتيري. وقد حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية من أن نقص المياه النظيفة والغذاء في غزة يضاعف احتمالات وفاة الأطفال بأمراض يمكن الوقاية منها بسهولة.

أما في السودان، فقد دخلت البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والصحية. وقد أدى القتال إلى دمار واسع للبنية التحتية للمياه والكهرباء، مما تسبب في تراجع كفاءة مرافق المياه بنسبة تصل إلى 70%، وفق تقديرات اليونيسيف.

القتال تسبب في عدم توفر الإمدادات لملايين السكان، بينما أجبر النزوح الجماعي الملايين على اللجوء إلى مخيمات مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة.

منذ بداية الحرب، أعلنت السلطات الصحية السودانية ثلاث موجات رئيسية من تفشي الكوليرا، مع تسجيل أكثر من 57 ألف حالة اشتباه و1534 وفاة. كما تحدثت منظمة الصحة العالمية عن انتشار أمراض أخرى مثل حمى الضنك والملاريا.

تشير التجارب السابقة إلى أن آثار انهيار المياه والصحة في الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل قد تستمر لسنوات. الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية خلال الحروب قد يواجهون مشكلات دائمة في النمو. في ظل استمرار النزاعات، يبدو أن العالم يواجه شكلاً جديداً من الحروب، لا تقتل فيه القذائف وحدها، بل تتحول المياه الملوثة والأوبئة إلى أسلحة صامتة أكثر فتكاً.