اكتشاف مقابر جماعية تعود لآلاف السنين تكشف أسرار حضارة قديمة في صحراء السودان
أعلنت البحوث الأثرية الحديثة عن اكتشاف مقابر جماعية ضخمة في صحراء السودان، تعود إلى فترة تتراوح بين 4000 و3000 قبل الميلاد. وأظهرت هذه المقابر احتواءها على رفات بشرية وقطعان حيوانية مثل الماشية والأغنام، تم دفنها بعناية حول شخصيات مركزية.
وأشار العلماء إلى أن هذه الهياكل الدائرية، التي يبلغ قطرها بين 5 و82 مترا، كانت معروفة سابقا ولكن لم يتم دراستها بشكل منهجي. وقد نشر فريق البحث دراسة جديدة في مجلة "المراجعة الأثرية الإفريقية"، موضحا تفاصيل هذه المعالم الثقافية المرتبطة بالرعي.
وبحسب الدراسة، أطلق العلماء على هذه الهياكل اسم "مدافن العتباي المسوّرة"، وتصنف إلى عدة أنواع، حيث أن معظمها مغلق بالكامل، في حين يتميز نوع واحد بوجود مدخل وحيد. وتختلف الترتيبات داخل هذه المدافن، حيث تضم بعض الدوائر المتعددة، بينما ترتب أخرى حول قبر بشري محاط بالحيوانات.
وكشف العلماء أن بناء هذه المعالم كان يتطلب جهدا كبيرا، مما يدل على أنها كانت ثمرة عمل جماعي. فعلى سبيل المثال، يحتاج بناء مدفن متوسط المحيط يبلغ طوله نحو 60 مترا إلى 161 يوما من العمل لشخص واحد، أو 3.2 أيام لـ50 شخصا.
ولاحظ الفريق أن هذه المدافن غالبا ما وضعت بالقرب من مصادر المياه، مما يدل على أن المجتمعات الرعوية كانت تختار مواقع مناسبة للرعي والسقي. وتعود هذه الهياكل إلى فترة ما بين 4500 و2500 قبل الميلاد، حسب التنقيبات السابقة والتأريخ بالكربون المشع.
وعثر العلماء داخل هذه المعالم على رفات بشرية وقطعان حيوانية، حيث احتوى أكبر مدفن على حوالي 18 قبرا للماشية. كما تم العثور على رسوم صخرية للماشية في المنطقة، مما يؤكد أن هذه الثقافة كانت متمركزة حول تربية الماشية.
على الرغم من وفرة الماشية في المقابر، إلا أن صحراء العتباي اليوم لم تعد صالحة للرعي. ومنذ 6000 عام، شهدت المنطقة انتقالا من "الفترة الرطبة الإفريقية" إلى ظروف أكثر جفافا، مما أدى إلى تصحر سريع وهجرة المجتمعات الرعوية إلى مناطق أكثر ملاءمة.
ويشير العلماء إلى أن تقليد هذه المدافن استمر حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد، مما يدل على أن منطقة العتباي ظلت ملاذًا رغم التغيرات المناخية. كما يحتمل أن بعض هذه الهياكل فقدت بفعل التعرية أو الفيضانات أو التعدين الحديث.
تعد هذه الاكتشافات دليلا مهما على ظهور "طبقة نخبوية" في مجتمعات الرعاة خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث تشير الترتيبات الجنائزية إلى بدايات عدم المساواة الطبقية. ويعكس المكانة العالية للحيوانات، خاصة الماشية، تقديسا استثنائيا في هذه الثقافة.
على صعيد آخر، أعاد الرعاة المحليون في العصور اللاحقة استخدام هذه المقابر القديمة لدفن موتاهم، مما جعلها مقابر دائمة استمرت لآلاف السنين. وتؤكد هذه الاكتشافات على أهمية دراسة الصحاري الكبرى في فهم تاريخ العمارة الضخمة في ممالك مصر والنوبة.
ومع ذلك، يتعرض العديد من هذه المعالم حاليا للتدمير بفعل التعدين غير المنظم، مما يهدد بقاء هذه المدافن الفريدة التي صمدت لآلاف السنين.