رؤية قانونية في مضامين لقاء سمو ولي العهد حول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي



كتب المحامي الدكتور محمد عبد المجيد الذنيبات – خبير قانوني في التكنولوجيا والحوكمة وحماية البيانات
جاءت مشاركة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد ﷲ الثاني حفظه الله في منتدى تواصل 2026 لتؤكد مجددا أن الأردن يتجه بخطوات متسارعة نحو بناء نموذج وطني حديث قائم على التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبارها أدوات رئيسية في تطوير الأداء الحكومي وتعزيز تنافسية القطاع الخاص وصناعة فرص المستقبل.

ولم تكن مضامين حديث سمو ولي العهد ذات بعد تقني أو اقتصادي فحسب، بل حملت في جوهرها أبعادا قانونية وتشريعية عميقة، تعكس إدراكا متقدما لطبيعة التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الدول والمؤسسات والمجتمعات.

فالتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وخاصة ما أشار إليه سموه من أهمية تطبيقات Agentic AI، لا يمثل مجرد تحديث تقني، وإنما انتقالا إلى مرحلة جديدة تتطلب إعادة بناء جزء كبير من المنظومة القانونية والتنظيمية للدولة.

التحول الرقمي لم يعد خيارا إداريا
أكد سمو ولي العهد خلال المنتدى أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي كمحرك للكفاءة والإنتاجية في القطاعين العام والخاص، وهي رسالة تعكس تحولا جوهريا في مفهوم الإدارة الحديثة.

فالدول لم تعد تقاس فقط بحجم بنيتها التقليدية أو مواردها الطبيعية، بل بقدرتها على بناء أنظمة رقمية ذكية قادرة على تقديم خدمات أكثر كفاءة وشفافية وسرعة.

غير أن هذا التحول يفرض تحديات قانونية دقيقة، لأن الإدارة الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي تختلف جذريا عن الإدارة التقليدية، خصوصا في المسائل المتعلقة ب:

حماية البيانات الشخصية.
مشروعية القرارات الرقمية.
المسؤولية عن أخطاء الأنظمة الذكية.
الأمن السيبراني.
حجية المعاملات الإلكترونية.
ومن هنا، فإن نجاح التحول الرقمي لا يتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل بوجود بيئة تشريعية قادرة على تنظيم هذا التحول وضمان سلامته القانونية.

الذكاء الاصطناعي الوكيل… بداية مرحلة قانونية جديدة
من أهم ما ورد في حديث سمو ولي العهد الإشارة إلى أهمية استخدام Agentic AI، وهو الجيل المتقدم من أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام بصورة مستقلة نسبيا.

وهذا النوع من الأنظمة يطرح تحديات قانونية غير مسبوقة، لأنه ينقل الذكاء الاصطناعي من مجرد "أداة تقنية” إلى "فاعل رقمي” قادر على:

إدارة العمليات.
اتخاذ القرارات.
تحليل البيانات.
تنفيذ الإجراءات دون تدخل بشري مباشر في كل مرحلة.
وهنا يبرز السؤال القانوني الأهم:

من يتحمل المسؤولية إذا ارتكب النظام الذكي خطأً؟ هل تكون المسؤولية على المطور؟ أم الجهة المشغلة؟ أم مالك النظام؟ أم أن التشريعات المستقبلية ستتجه نحو بناء مفهوم قانوني جديد للمسؤولية الرقمية؟

هذه الإشكاليات أصبحت اليوم محور نقاش عالمي، خصوصا مع دخول الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة مثل القضاء، والصحة، والخدمات الحكومية، والقطاع المالي.

حماية البيانات والسيادة الرقمية
إن أي توسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يرتبط مباشرة بحجم البيانات التي يتم جمعها وتحليلها، وهو ما يجعل حماية البيانات الشخصية والسيادة الرقمية من أبرز التحديات القانونية المستقبلية.

وفي هذا الإطار، فإن الأردن أمام مرحلة تتطلب تطوير تشريعات أكثر تخصصا في:

حماية الخصوصية الرقمية.
تنظيم استخدام البيانات الضخمة.
الرقابة على الخوارزميات.
أمن المعلومات والبنية التحتية الرقمية.
مكافحة الجرائم السيبرانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
فالثقة بالتحول الرقمي لا تبنى فقط على كفاءة التكنولوجيا، وإنما على قدرة الدولة على حماية حقوق الأفراد وضمان سلامة البيانات الوطنية.

التعليم القانوني والتقني ضرورة وطنية
عندما أشار سمو ولي العهد إلى أهمية تطوير البرامج الوطنية والتعليمية لمواكبة التحديث العالمي، فإن ذلك يعكس فهمًا عميقًا لحقيقة أن المستقبل الرقمي يحتاج إلى كوادر متعددة التخصصات.

فالمرحلة القادمة ستفرض الحاجة إلى جيل جديد يجمع بين:

المعرفة القانونية.
الفهم التقني.
الأمن السيبراني.
حوكمة البيانات.
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
كما أن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية ستكون مطالبة بإعادة تطوير برامجها بما يواكب التحولات الرقمية العالمية، خاصة في مجالات القانون الرقمي وتشريعات التكنولوجيا.

نحو بنية تشريعية رقمية متكاملة
إن مضامين لقاء سمو ولي العهد تؤكد أن الأردن لا ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعا تقنيا محدودا، بل باعتباره مسارا وطنيا استراتيجيا لإعادة بناء الاقتصاد والإدارة والخدمات العامة.

غير أن هذا المسار يتطلب بالتوازي:

تحديث التشريعات الرقمية بصورة مستمرة.
وضع أطر قانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
تنظيم المسؤولية الرقمية.
تطوير القضاء الرقمي.
تعزيز الأمن السيبراني الوطني.
دعم الابتكار ضمن ضوابط قانونية واضحة.
وفي ظل الرؤية الملكية المستمرة لتطوير القطاع العام وتعزيز الاقتصاد الرقمي، تبدو المملكة أمام فرصة حقيقية لتأسيس نموذج تشريعي عربي متقدم في تنظيم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

فالتحول الرقمي الناجح لا يقوم فقط على امتلاك التكنولوجيا، بل على امتلاك القدرة القانونية والمؤسسية على إدارتها بكفاءة وعدالة، بما يحقق التنمية ويحمي الحقوق ويعزز الثقة بمستقبل الدولة الرقمية