قناة بنما تتحول إلى الخيار الرئيسي لنقل النفط والغاز إلى آسيا
في ظل اضطرابات غير مسبوقة في حركة التجارة العالمية، أصبحت قناة بنما محط أنظار العالم كبديل استراتيجي يتزايد أهميته. وقد شهدت القناة ازدحامًا قياسيًا وارتفاعًا حادًا في رسوم العبور، وذلك بسبب تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتعطل إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد.
تعد قناة بنما، التي تأتي في المرتبة الثانية بعد قناة السويس، خيارًا رئيسيًا لشركات الشحن، خاصة من القارة الآسيوية، لنقل النفط والغاز والبضائع بين المحيطين الأطلسي والهادئ. يأتي ذلك في خضم أزمة جيوسياسية تتصاعد عام 2026.
تعود فكرة القناة إلى القرن السادس عشر، عندما لاحظ المستكشف الإسباني فاسكو نونييث ضيق المسافة بين المحيطين. وقد أعاد الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون طرح المشروع في القرن الثامن عشر، لكن لم يتم تنفيذه آنذاك.
تجربتي الفرنسيين في بناء القناة كانت الأولى، مستفيدين من نجاح قناة السويس، إلا أن المشروع تعثر بسبب التحديات الطبيعية والأمراض الاستوائية. في بداية القرن العشرين، تولت الولايات المتحدة المشروع وأنجزته بعد عقد من العمل الشاق، بتكلفة بلغت 380 مليون دولار، بمشاركة عشرات الآلاف من العمال.
استمر النظام الأمريكي في السيطرة على القناة لعقود، قبل أن تنتقل إدارتها إلى بنما بموجب اتفاقيات وقعت في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. وفي تطور حديث، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجدل حول القناة، ملوحًا بإمكانية استعادة السيطرة، مما قوبل برفض قاطع من الرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو.
تمثل قناة بنما إنجازًا هندسيًا فريدًا، حيث اختصرت المسافة حول القارة الأمريكية من 21 ألف كيلومتر إلى نحو 8 آلاف. كما تربط القناة أكثر من 160 دولة و1700 ميناء حول العالم، مع مرور نحو 6% من حجم التجارة العالمية عبرها سنويًا.
تعتمد القناة على نظام الأهوسة المائية، الذي يرفع السفن إلى ارتفاع 26 مترًا فوق سطح البحر لعبور بحيرة غاتون الاصطناعية. وقد سمحت توسعة عام 2016 بمرور سفن عملاقة تفوق بثلاثة أضعاف ما كان ممكنًا سابقًا.
مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط، تحولت القناة إلى مسار بديل رئيسي، حيث سجلت عبور 6288 سفينة بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، بزيادة 224% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما تضاعفت رسوم العبور لأكثر من مرتين ونصف، في ظل الطلب المتزايد من شركات الشحن، خصوصًا لنقل الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة إلى آسيا.
قال رئيس القناة ريكورتي فاسكيز، إن الممر يعمل بأقصى طاقته، حيث يتراوح عدد السفن العابرة يوميًا بين 36 و38 سفينة. تستعد الإدارة لزيادة عدد ناقلات الغاز المسموح بمرورها يوميًا، بعد أن كان محدودًا سابقًا.
في ظل هذا الضغط، لجأت بعض الشركات إلى دفع مبالغ استثنائية للحصول على أولوية العبور، وصلت إلى نحو 4 ملايين دولار. بينما ارتفع متوسط تكلفة عبور السفينة الواحدة من 140 ألف دولار إلى 385 ألف دولار خلال شهرين فقط.
داخليًا، شكلت القناة ركيزة اقتصادية لبنما بإيرادات بلغت 5.7 مليار دولار عام 2025، لكنها تواجه اليوم اختبارًا غير مسبوق لقدرتها الاستيعابية. عالميًا، باتت القناة تمثل خط الدفاع الأخير لاستمرار تدفق التجارة، في وقت تعيد فيه الأزمات الجيوسياسية رسم خريطة النقل البحري وطرق الطاقة حول العالم.