عبارات المواساة التي تؤذي أكثر مما تعزي

عانت ريبيكا لوف من ألم فراق ابنها الأكبر الذي انتحر عام 2019، مما جعل حياتها تتغير بشكل جذري. وبينما كانت تخوض تجربة الحزن العميق، كان من حولها يرددون عبارة "أنت قوية جدا"، معتقدين أنهم يقدمون لها المواساة. لكن لوف، المعالجة النفسية في كاليفورنيا، شعرت أن هذه الكلمات تزيد من جراحها بدلاً من أن تخفف عنها.

تقول لوف: "احتجت وقتا طويلا لأفهم لماذا كانت تلك العبارة مزعجة لي. لقد كانت بمثابة محاولة لإلغاء مشاعري بدلاً من الاعتراف بها". وتضيف أن هذه العبارات تعني "أنا لا أرى معاناتك"، مما يجعل الشخص الحزين يشعر بأنه مضطر لإخفاء مشاعره.

توضح المعالجة النفسية آمي مورين أن عبارة "أنت قوي" تحمل معانٍ خفية. فهي تعكس فكرة أن القوة تعني عدم إظهار المشاعر، مما قد يشعر الشخص المتألم بأنه ملزم بإخفاء مشاعره الحقيقية. وتقول: "عندما أسمع شخصاً يقول لي إنني قوية، أشعر أنني مُطالبة بإخفاء معاناتي بدلاً من التعبير عنها".

في الوقت الذي يعتقد فيه الآخرون أنهم يشيدون بشجاعة ريبيكا، كانت هي تشعر بأنها مجرد تحاول البقاء على قيد الحياة. ومع ذلك، وجدت دعماً حقيقياً من أشخاص مثل زوجها ووالدتها وأصدقائها الذين لم يخبروها بأنها قوية، بل كانوا معها في محنتها بصمت. هذا الدعم أعطاها القوة الحقيقية، وهي الإحساس بأن أحدهم يقف بجوارها في أصعب لحظات حياتها.

تؤكد مورين على أهمية التعامل مع الحزن بصدق، مشيرة إلى أن القوة الحقيقية تكمن في إظهار المشاعر وطلب المساعدة. بدلاً من إخبار شخص يمر بوقت عصيب بأنه قوي، يمكن القول: "أنا هنا من أجلك" أو "لا أعرف ماذا أقول، لكني أحبك". هذه العبارات تعكس التعاطف وتفتح المجال للحوار.

تسرد لوف تجربتها الشخصية، حيث فقدت والدتها وزوجها في وقت مبكر من حياتها. وتذكر كيف أن أحد الأشخاص قال لها إن عدم بكائها يدل على قوتها، لكنها أدركت أن هذه الرسالة تعكس فكرة خاطئة تماماً عن كيفية التعامل مع الحزن.

تزيد الأخصائية الاجتماعية لورين جيسيل من أهمية الموضوع، مشيرة إلى أن الإنسان في الأزمات لا يكون "قوياً" بالمعنى التقليدي، بل يحاول التعامل مع الظروف القاسية التي يواجهها. وعندما يُقال له إنه قوي، قد يشعر بأن تجربته تُعاد صياغتها بشكل لا يتناسب مع مشاعره.

تقول لوف: "مدح القوة في أوقات الحزن يشبه القول بأن القدرة على إخفاء الهشاشة هي قوة. لم أشعر بأنني مرئية، بل شعرت بأنني مُسكتة". هذه العبارات لا تفتح باب الحوار، بل تمنع الشخص من التعبير عن مشاعره الحقيقية.

على الرغم من أن البعض قد يعتقد أن هذه العبارات تُعبر عن التعاطف، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أنها قد تؤدي إلى تحميل الشخص المكلوم عبئاً إضافياً. فبدلاً من التركيز على الألم، يُطلب منه أن يكون مصدر طمأنينة للآخرين.

يمكن للناس أن يتجنبوا تكرار هذه العبارات من خلال التحدث بصراحة مع الشخص المتألم. فعندما تقول لشخص يمر بفترة حداد: "هذا لا يساعدني"، فإنها قد تكون رسالة تعليمية تساعد الآخرين على التفكير في تأثير كلماتهم.

تؤكد لوف أن وجود شخص بجوار المتألم دون محاولة تغيير مشاعره أو تقديم نصائح غير مرغوبة يمكن أن يكون من أعظم أنواع الدعم. فالصمت يعتبر قوة في حد ذاته، ووجود شخص يحبك بجوارك يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من أي كلمة.

في النهاية، يُحث الناس على تقديم الدعم الحقيقي، من خلال إيجاد طرق للتعبير عن التعاطف بدون استخدام عبارات قد تكون مؤلمة. فالأهم هو الاستماع والتواجد، وليس محاولة إصلاح الألم بكلمات قد لا تعني شيئاً للشخص المتألم.