صاروخ الأرز اللبناني: قصة إنجاز علمي توقف بسبب الضغوطات الدولية
في ستينيات القرن الماضي، أطلق لبنان مشروعاً علمياً فريداً تمثل في صاروخ الأرز (Cedar 4) الذي أصبح أول صاروخ عربي يجتاز حاجز كارمان. في تلك الفترة، كانت المنافسة على أشدها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في مجال الفضاء، لكن القصة اللبنانية كانت مختلفة حيث انطلقت من جامعة هايكازيان في بيروت.
بدأت القصة في نوفمبر 1960 عندما وضع الأستاذ مانوج مانوجيان ملصقاً يدعو الطلاب للانضمام إلى جمعية الصواريخ في الكلية. انضم سبعة طلاب إلى المشروع بميزانية ابتدائية بلغت 750 ليرة لبنانية تبرع بها النائب إميل بستاني. بدأ الفريق بتجارب بسيطة باستخدام أنابيب مصنوعة من الكرتون، حيث كانت أولى محاولاتهم غير ناجحة، إذ ارتد الصاروخ وسقط بالقرب من كنيسة.
استمر الفريق في تطوير تقنياتهم، وفي أبريل 1961، أطلقوا أول صاروخ أحادي المرحلة بلغ ارتفاعاً قدره كيلومتر واحد. بعد ذلك، سجل صاروخ أرز 2 ارتفاع 2.5 كيلومتر، بينما وصل صاروخ أرز 1 في مايو 1962 إلى ارتفاع 11.5 كيلومتر. وقد جذبت هذه النجاحات انتباه الحكومة اللبنانية، حيث دعم الرئيس فؤاد شهاب المشروع وسمح للجيش بالتعاون مع الجمعية التي أعيد تسميتها إلى جمعية الصواريخ اللبنانية.
حقق صاروخ أرز 4 قفزة نوعية في مجال الفضاء، حيث تم إطلاقه في 21 نوفمبر 1963، ليصل إلى ارتفاع 145 كيلومتراً ويصبح أول صاروخ عربي يحقق هذا الإنجاز. تم إصدار طابع بريدي يحمل صورة الصاروخ تخليداً لهذه اللحظة التاريخية، وشارك الآلاف من اللبنانيين في مشاهد الإطلاق.
ومع ذلك، توقف البرنامج بشكل مفاجئ في عام 1966-1967 نتيجة لعدة عوامل. بينما كان هدف مانوجيان علمياً، بدأت الرؤية العسكرية للجيش اللبناني تسيطر على المشروع. تزامن ذلك مع تصاعد التوترات الإقليمية، حيث أبدت إسرائيل قلقها من تطور القدرات الصاروخية اللبنانية، ما دفع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا للتدخل وطلب إنهاء البرنامج. حتى الرئيس الفرنسي شارل ديغول أرسل رسالة إلى الرئيس شهاب يطالبه بوقف المشروع.
ساهمت حرب 1967 في تسريع إنهاء البرنامج، حيث غادر مانوجيان لبنان لمتابعة دراسته في أمريكا. نصحت السفارة الأمريكية أصدقاءه بمغادرة البلاد بسبب الوضع المتوتر. بعد مغادرته، أجرى الجيش اللبناني إطلاقاً عسكرياً واحداً في عام 1967، لكن الضغوط التي تعرض لها المشروع كانت قد وصلت إلى مستوى لا يمكن الرجوع عنه.
وفي حديثه عن التصنيع العسكري، قال العميد الركن خالد حمادة، رئيس المنتدى الإقليمي للأبحاث والدراسات، إن لبنان كان يمتلك صناعة صاروخية متطورة في ستينيات القرن الماضي، تتفوق على قدرات دول كبرى، وهو ما أثار إشكالية مع قبرص وإسرائيل. تساءل حمادة عن إمكانية استعادة الدولة سيادتها على إرث الصواريخ اللبنانية، مشيراً إلى أهمية أن يكون التصنيع العسكري في خدمة الشرعية الوطنية.