هل تقتل التجارة الحرة صناعتنا !!! من يحمي الاقتصاد الأردني قبل فوات الأوان؟ بقلم: المستشار الصحفي عمر الصمادي

هل تقتل التجارة الحرة صناعتنا !!!
من يحمي الاقتصاد الأردني قبل فوات الأوان؟

بقلم: المستشار الصحفي عمر الصمادي

باعتقادي ان اتفاقيات التجارة الحرة لم تكن بالأساس أداة او منصة لتسهيل التبادل التجاري بين الدول، بقدر ما تكشف بانها خدمت مصالح دول بعينها وفرضت سيطرتها على الأنشطة الاقتصادية على البلدان الأقل قوة، لا بل أصبحت اليوم احد اهم محددات شكل الاقتصاد الوطني، وقوة قطاعاته الإنتاجية، وقدرته على الصمود او التراجع في مواجهة المنافسة العالمية.

عرفنا ان هذه الاتفاقيات قامت على مبدأ فتح الأسواق وتعزيز التنافسية، ولكن تطبيقها دون سياسات ذكية حمل في طياته اثارا سلبية عميقة على التجارة والصناعات لدول نامية عديدة منها الأردن.

في الحالة الأردنية، لا يمكن انكار ان الانفتاح الاقتصادي واتفاقيات التجارة الحرة منحت المملكة فرصة الوصول الى أسواق عالمية، وفي مقدمتها السوق الأمريكي المهم ، وانها عززت من جاذبية البيئة الاستثمارية، الا ان هذا الانفتاح، في بعض الأحيان، جاء على حساب المنتج الوطني الذي وجد نفسه في مواجهة غير متكافئة مع منتجات مستوردة اقل كلفة، واحيانا اقل جودة، لكنها مدعومة في بلدانها الاصلية بسياسات صناعية وحوافز قوية.
المشكلة لا تكمن في مبدأ الاتفاقيات بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين الانفتاح والحماية الذكية، ففتح باب الاستيراد دون تمكين الصناعات المحلية يضع المستثمر الأردني في زاوية ضيقة، ويهدد استمرارية مشاريع صناعية تم استقطابها بشق الانفس.
فمن المؤلم ان نشهد استثمارات تبدأ بالإنتاج، لتفاجأ بقرارات تفتح السوق امام منافسة شرسة، او ترفع كلف التشغيل عليها، سواء من خلال الطاقة او الضرائب او الاشتراطات التنظيمية، دون منحها الوقت الكافي للثبات والنمو.

ان الصناعة الوطنية تمثل ركيزة للأمن الاقتصادي والاجتماعي، ومصدر رئيسي لفرص العمل، وعنوان لسيادة القرار الاقتصادي، وعندما يترك المنتج الأردني مكشوفا امام منافسة غير عادلة، فإننا لا نخسر فقط مصانع، بل نخسر الاف فرص العمل، ونقوض ثقة المستثمر، ونبعث برسائل سلبية لأي استثمار مستقبلي.
وفي ظل ما يشهده الشرق الاوسط من اعادة ترتيب شاملة، لا تقتصر على السياسة بل تمتد الى اعادة تشكيل منظومات المصالح الاقتصادية، تبرز امام الأردن فرصة تاريخية ليكون مركزا اقليميا للتكامل الاقتصادي والتبادل التجاري، فالمملكة تمتلك مقومات فريدة من نوعها : موقع استراتيجي، استقرار امني، بيئة اعمال متقدمة، وشبكة واسعة من الاتفاقيات الدولية التي تحتاج الى إعادة الروح والتعامل بالمثل.

ان تحويل هذه المقومات الى تفوق حقيقي يتطلب بكل ثقة منظومة سياسات متكاملة تحمي المستثمر، وتدعم المنتج الوطني، وتحفز التوسع الصناعي، وهنا، يمكننا ان نفخر بقصص نجاح صناعية اردنية استطاعت ان تصل الى العالمية، وتثبت ان المنتج الأردني قادر على المنافسة متى ما توفرت له البيئة المناسبة.
ومن هذا المنطلق، فان الحاجة اليوم ملحة لتبني نهج اقتصادي اكثر جرأة وواقعية، يبدأ بتأسيس ما يمكن تسميته غرفة طوارئ الاستثمار، تكون مهمتها قراءة التحولات الإقليمية والدولية، واستشراف الفرص، والتعامل مع التحديات بسرعة وكفاءة، غرفة تمتلك صلاحيات حقيقية، وتعمل بعقلية استباقية، لا بردود الفعل، حتى لا نفقد فرصا جديدة كما فقدنا غيرها سابقا.

لقد اصبح من الضروري إعادة النظر في اليات تطبيق اتفاقيات التجارة الحرة، بما يضمن حماية مرحلية ومدروسة للصناعات الناشئة، وفرض معايير عادلة على المنتجات المستوردة، ومنع الإغراق، وتخفيض كلف الإنتاج محليا، خصوصا الطاقة، بما يعزز القدرة التنافسية للمنتج الأردني.

ان دعم الصناعة ضرورة وطنية، وهو استثمار في المستقبل، وفي الاستقرار الاقتصادي، وفي كرامة العمل الأردني.

حكومتنا الرشيدة... ان الوقت ليس في صالحنا، وكما قيل على لسان جلالة الملك حفظه الله، نحن لا نمتلك رفاهية الوقت، وهي عبارة تختصر حجم التحدي، وتضع امامنا مسؤولية التحرك السريع والمدروس وفي جنباتها الف إشارة واشارة.

اليوم، وليس غدا، نحن بحاجة الى قرارات شجاعة تعيد التوازن بين الانفتاح والحماية، وتمنح الصناعة الأردنية الفرصة التي تستحقها، لتكون ليس فقط منافسا، بل قائدا في اقتصاد إقليمي يتشكل من جديد.