طبيب عربي يصحح تشريح العين ويغير مسار الطب في أوروبا
كشفت دراسة حديثة صادرة عن جامعة الشارقة النقاب عن الدور المحوري الذي لعبه طبيب عربي من العصور الوسطى في تصحيح مفاهيم تشريح العين، ما أثر بشكل عميق على مسار الطب في أوروبا. وأظهرت الورقة البحثية، المنشورة في مجلة Cogent Arts and Humanities، أن الباحثين قاموا بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين بن إسحاق تحمل عنوان "في العين مائتان وسبع مسائل".
وبينت الدراسة أن هذه الرسالة المبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة كانت سائدة في العصور الوسطى، ما أثر بشكل كبير في تطور الطب لاحقا. وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكدت أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحة أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.
وأشارت الدراسة إلى أن رسالة حنين كتبت على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى له، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.
وأوضحت الدراسة أن تأثير حنين لم يقتصر على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا، فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل "الشبكية" و"القرنية". وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وذكرت الدراسة أن حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ "شيخ المترجمين"، عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.
وبينت الدراسة أن حنين يعد جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى، فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه "المسائل في الطب" الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.
وقال الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، إن حنين شخصية ذات أهمية دائمة. وأضاف أن "حنين بن إسحاق أثر بشكل كبير في تطور الطب الغربي، ولعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى".
وأشار الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة، إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين "المسائل في الطب" (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وأردف أن "هذا النص خدم لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا".
وختم الأستاذ عبد الكريم بأن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب "ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية".
وتناولت الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة "في العين مائتان وسبع مسائل" إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.