خطبة العيد تثير جدلا: هل تغير موقف مصر تجاه إسرائيل؟
أثارت خطبة عيد الفطر التي ألقاها الشيخ سيد عبد الباري، أحد كبار المسؤولين في وزارة الأوقاف المصرية، في مسجد الأزهر بالقاهرة بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وكبار المسؤولين، جدلاً واسعاً، بحسب ما ذكرت منصة "mekomit" الإسرائيلية. وقالت المنصة إن الخطبة فُسرت جزئياً على أنها تعاطف مع إيران، على الرغم من الخلاف المذهبي، معتبرة أن هذه الخطبة غيرت موازين القوى في المنطقة.
وأوضحت المنصة العبرية أن الخطاب العام عكس شعوراً متزايداً لدى المصريين بأن إسرائيل هي العدو المركزي. وأشارت إلى أن الشيخ ختم خطبته بدعاء ذكر فيه السيدة فاطمة بنت النبي محمد وزوجها علي بن أبي طالب وأبنائهم، وهي شخصيات مقدسة لدى جميع المسلمين ولكنها تحظى بمكانة خاصة ومحورية لدى الشيعة.
وأضافت المنصة أن مكانة الجامع الأزهر الشريف ليست مجرد مسجد، بل هي مؤسسة دينية رسمية ذات وزن سياسي ورمزي كبير، وأن حضور الرئيس وكبار المسؤولين يجعل كل كلمة تُنطق هناك جزءاً من خطاب عام محسوب.
وكشفت المنصة أن المؤسسات الدينية في مصر، وعلى رأسها الأزهر، تحركت بسرعة لاحتواء التصعيد من خلال نشر توضيحات تفيد بأن الدعاء لم يحمل رسالة طائفية أو سياسية، مع التأكيد على أن الدعاء الذي يذكر النبي وأهل بيته مقبول في الفقه الإسلامي. وأشارت إلى أن هذه التوضيحات لم تنجح في إنهاء الجدل، لأن الخلاف لم يكن حول الشرعية الدينية للدعاء، بل حول الطريقة التي قُرئ بها سياسياً في ظل واقع إقليمي مشحون بشكل خاص.
وأشارت المنصة إلى أنه على الجانب المصري، لم تكتفِ ردود فعل عديدة بتأييد المعنى الديني للخطبة، بل قدمت لها دعماً سياسياً واضحاً. وتماشت هذه الردود مع موجة أوسع من المنشورات منذ بداية الحرب، التي تؤيد بشكل حاد وواضح إيران في مواجهة ما يُوصف بـ "العدوان الأمريكي الإسرائيلي".
وبينت المنصة العبرية أنه من الناحية الدينية، لم تكن كلمات الشيخ استثنائية، فالمسلمون في مصر هم في غالبيتهم سنة، لكن لمصر ارتباط خاص بأهل بيت النبي محمد، أولاً لأن قبور أحفاد النبي الحسين والسيدة زينب تقع في القاهرة، وحول كل موقع من هذه المواقع بُني حي يحمل اسمه، وهذان الحيان هما من الأحياء المركزية والعريقة في المدينة.
وفيما يتعلق بالبعد السياسي للخطبة، أكدت المنصة أنه في التوقيت الحالي يصعب رؤية مثل هذا الأمر كمصادفة بريئة، فكل ما يُقال من على منابر المساجد قابل للقراءة السياسية. وأضافت أن مصر وإن كانت تنتهج في هذه الحرب خطاً حذراً، وتحاول في الأساس التوسط بين إيران ودول الخليج دون الوقوف علناً إلى جانب إيران، إلا أن الجمهور المصري يبدو داعماً لإيران إلى حد كبير، ليس من منطلق العداء لدول الخليج، بل من منطلق عداء عميق لإسرائيل والولايات المتحدة، وبشكل خاص لإسرائيل.
وأردفت أن العداء بين مصر وإسرائيل ليس جديداً، ولم يُمحَ مع توقيع اتفاقية السلام بينهما، ففي كل منزل مصري تقريباً توجد ذكرى مؤلمة لابن أو قريب قُتل على يد إسرائيل في حرب عام الف وتسعمائة وسبعة وستين، أو حرب عام الف وتسعمائة وثلاثة وسبعين، أو حرب الاستنزاف، أو في مواجهات أخرى. وأضافت أن المصريين لا ينسون مذبحة مدرسة بحر البقر التي نفذتها إسرائيل عام 1970، وحتى لو كان هناك من نسي، فإن الصور التي تصل من قطاع غزة ومن أماكن أخرى، في الماضي والحاضر، تكفي لتذكير من يُنظر إليه على أنه العدو المركزي.
وأشارت المنصة إلى أن مصر نفسها تدرك أنها حرب معقدة، وأن تورط دول عربية فيها لن يؤدي إلا إلى توسيعها بدلاً من احتوائها، وأن ضبط النفس في هذه المرحلة ليس مجرد خيار تكتيكي، بل ضرورة استراتيجية لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. وأضافت أنه في الوقت نفسه تحرص القاهرة على إظهار تضامن سياسي واضح مع الدول العربية، ورفض أي مساس بسيادتها.
وبينت المنصة أن الدور المركزي لمصر يتجلى في الدبلوماسية الهادئة، والعمل كقناة اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتنازعة، وأن العلاقات المتوازنة لمصر مع الولايات المتحدة، إلى جانب قنوات مفتوحة وإن كانت محدودة مع إيران وإسرائيل، تمنحها قدرة على نقل الرسائل وتخفيف التوترات.
وأضافت أنه يصعب العثور في مصر على مواقف تدعم إسرائيل، حيث عبرت عدة شخصيات سياسية مصرية عن دعم علني لإيران، منهم حمدين صباحي، عضو البرلمان السابق ومؤسس حزب الكرامة، الذي ترشح سابقاً للرئاسة ويُعتبر من الشخصيات المرتبطة بالتيار الناصري. وكان صباحي من الموقعين على بيانات عربية ومصرية أدانت "العدوان الأمريكي الإسرائيلي" ضد إيران، وأكدت حقها في الدفاع عن النفس.
وأشارت إلى أن إحدى هذه البيانات، وهي البيان العربي الذي وقعه عشرات المثقفين والسياسيين، نصت على أن الهجمات ضد إيران تشكل امتداداً لسلسلة من الاعتداءات على شعوب المنطقة، من فلسطين إلى سوريا ولبنان واليمن والعراق. ودعا البيان إلى بلورة موقف عربي موحد ورفض أي تعاون مع الهجمات، مؤكداً أن الدفاع عن إيران جزء من الدفاع عن شعوب المنطقة. بينما ذهب بيان مصري آخر إلى أبعد من ذلك، حيث شدد الموقعون عليه على أن الحرب تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة لصالح إسرائيل، ورفضوا أي استسلام للضغوط الاقتصادية.
وقالت المنصة إن الإيرانيين ساهموا بدورهم في الجدل الذي اندلع في مصر عقب الخطبة، حيث نشروا على منصات التواصل مقاطع فيديو تظهر صورة الشيخ سيد عبد الباري ملصقة بصاروخ إيراني قبل إطلاقه، في خطوة قُدمت على أنها تعبير عن الامتنان للدعاء، مما أثار موجة جديدة من النقاش في مصر، حيث رأى البعض في ذلك استغلالاً للخطبة لأغراض دعائية إيرانية، بينما فسر آخرون الأمر على أنه لفتة رمزية فقط لا تعكس موقفاً رسمياً للدولة.
وفي الوقت نفسه، تم تداول مقطع فيديو قديم للمرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، يتحدث فيه بإعجاب عن مصر ويذكر شخصيات تاريخية محورية، بما في ذلك جمال عبد الناصر وحسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، الذي كان معادياً لعبد الناصر، في قائمة واحدة.
وختمت المنصة بالإشارة إلى أن الشارع المصري يرى أن القضية ليست إيران، بل القضية هي إسرائيل، فأي طرف يقف ضد إسرائيل سيحظى بتعاطف جماهيري في مصر. وهناك قلق واسع من أنه إذا انتصرت إسرائيل على إيران، ستكون مصر الهدف التالي، والشعور السائد هو أن إسرائيل لا تقبل بوجود دولة قوية ومنظمة قرب حدودها. وفي السنوات الأخيرة سُمعت أيضاً تصريحات من جهات إسرائيلية حول "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، وهذا لم يعد يُنظر إليه كشائعات أو خيالات، بل كتصريحات لصانعي قرار. وفي ظل واقع كهذا، كيف ينبغي للمواطن المصري أن ينظر إلى إسرائيل، وما سيكون موقفه تجاه أي حرب تخوضها.
وفيما يتعلق بقضية غزة بشكل خاص، يحظى موقف الرئيس السيسي بدعم واسع، خاصة رفضه لخطط التهجير، حيث يعتقد كثيرون في مصر أن فتح الحدود بين غزة ومصر سيخدم الخطة الإسرائيلية ويؤدي إلى إفراغ القطاع من سكانه. وفي المقابل، تُسمع أيضاً انتقادات تدعو إلى اتخاذ خط أكثر حزماً تجاه إسرائيل.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة أيضاً إلى المسلسل التلفزيوني المصري "أصحاب الأرض"، الذي عُرض خلال شهر رمضان بموافقة الرقابة المصرية، وقدم واقع حياة سكان غزة على خلفية الحرب، وتضمن مشاهد قاسية بشكل خاص، مما أثار جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي بين مشاهدين عرب وجهات إسرائيلية، من بينها الناطق باسم جيش الدفاع الإسرائيلي، حيث زُعم أن شركة الإنتاج التابعة له قريبة من المؤسسة المصرية.