الرفاعي: الاردن يجب ان يبقى ثابتا في مواجهة المشاريع الاقليمية

شدد رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي على أن صون الدولة الأردنية وحماية مؤسساتها والحفاظ على استقرارها يمثل الأساس الذي يُبنى عليه أي دور أردني في الدفاع عن القضايا العربية العادلة أو الانخراط في التفاعلات الإقليمية والدولية. وأكد الرفاعي أن الأولوية الأردنية في ظل التحولات الإقليمية الراهنة يجب أن تبقى محسومة بلا تردد: الأردن أولاً والأردن أخيراً والأردن دائماً وأبداً.

وفي لقاء حواري في معهد السياسة والمجتمع، ضمن سلسلة جلسات مشروع جيل التحديث، بعنوان: الحرب الإقليمية الراهنة والأمن القومي الأردني: الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، دعا الرفاعي إلى التوازن في قراءة الصراع، محذراً من الوقوع في وهمين متقابلين. وأوضح أن الوهم الأول يتمثل في تبرئة المشروع الإيراني أو التغاضي عن ممارساته باسم القضية الفلسطينية، بينما يتمثل الوهم الثاني في تجاهل طبيعة المشروع الإسرائيلي وخطورته بذريعة مواجهة إيران، مؤكداً أن كلا الوهمين يقود إلى قراءة قاصرة لا تعكس حقيقة الصراع وتعقيداته.

وبين الرفاعي أن ما يعيشه الإقليم اليوم لا يجوز قراءته بوصفه صراعاً دينياً خالصاً ولا باعتباره مواجهة أخلاقية مبسطة بين معسكرات الخير والشر. وأشار إلى أنه صراع نفوذ وهيمنة وتوازنات تتداخل فيه مشاريع متعددة لكل منها حساباته ومخاوفه وأدواته، وهو ما يستدعي قراءة سياسية رصينة تنطلق من منطق الدولة والمصلحة لا من منطق التعبئة والاصطفاف العاطفي.

وشدد على أن هذه المقاربة تمثل المدخل الأساسي لفهم تعقيدات المشهد الإقليمي، مؤكداً أن اختزال الصراع أو تبسيطه يؤدي إلى إضعاف القدرة على التعامل معه وإلى الوقوع في قراءات منحازة أو غير دقيقة لا تخدم المصالح الوطنية للدول وفي مقدمتها الأردن. وأضاف أن المشروع الإسرائيلي في صورته الراهنة تحت هيمنة اليمين القومي والديني المتطرف يمثل تهديداً بالغ الخطورة على مجمل البنية الإقليمية، مشيراً إلى أن هذا المشروع لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال بل يسعى إلى إعادة صياغة الوقائع السياسية والديموغرافية والجغرافية بما يقوض فرص التسوية السياسية ويدفع نحو تصفية حل الدولتين.

وأوضح الرفاعي أن هذا المسار يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة من بينها الدفع باتجاه تهجير الفلسطينيين وخلق وقائع قد تنعكس بشكل مباشر على الأردن سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الديموغرافي، وهو ما يجعل من هذه التطورات مسألة تمس الأمن الوطني الأردني بشكل مباشر. وشدد على أن الضفة الغربية لم تعد مجرد ملف تضامن سياسي أو إنساني بل باتت قضية أمن وطني أردني مباشر في ظل المخاطر المتزايدة المرتبطة بتهجير السكان أو تفريغ الأرض من مضمونها السياسي، الأمر الذي يفرض على الأردن إبقاء هذا الملف في صلب تفكيره الاستراتيجي والدبلوماسي.

وأكد الرفاعي أن حماية الضفة الغربية ومنع أي مسار يقود إلى تهجير الفلسطينيين أو تقويض فرص إقامة دولتهم المستقلة يجب أن تبقى أولوية أردنية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حماية الأمن الوطني الأردني واستقرار المنطقة. وفي المقابل، أوضح الرفاعي أن إيران لا يمكن فهمها من خلال اختزالها في بعدها الديني أو المذهبي بل يجب النظر إليها باعتبارها دولة مشروع سياسي تمتلك رؤية واضحة لمصالحها وأهدافها وتتحرك في الإقليم بمنطق القوة والنفوذ.

وأشار إلى أن إيران استخدمت الدين والمذهب في مراحل مختلفة كأدوات تعبئة ووسائل نفوذ لكنها لم تتحرك في الإقليم بوحي مذهبي صرف بل وفق حسابات دقيقة تغلب مصلحة الدولة على أي اعتبارات أخرى، وهو ما يتطلب قراءة سلوكها السياسي ضمن هذا الإطار. وأضاف أن اختزال إيران في كونها دولة دينية فقط يمثل خطأ تحليلياً شائعاً، إذ إن سلوكها يعكس براغماتية سياسية واضحة تستخدم فيها الأيديولوجيا حين تخدم أهدافها وتؤجلها أو تتجاهلها حين لا تتوافق مع مصالحها.

وتناول الرفاعي التحولات التي شهدها الإقليم منذ عام 2003، مشيراً إلى أن احتلال العراق شكل نقطة تحول مفصلية أدت إلى اختلال عميق في النظام الإقليمي العربي ما أتاح لإيران فرصاً استثنائية للتمدد والتغلغل في عدد من الساحات العربية بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان واليمن. وأوضح أن هذا التمدد مكّن إيران من بناء شبكة نفوذ واسعة وأوراق ضغط متعددة لكنه في الوقت ذاته كان مكلفاً على عدة مستويات سواء من حيث استنزاف الموارد الإيرانية أو من حيث تأثيره على استقرار الدول العربية وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز منطق الميليشيات والهويات الفرعية.

وفي سياق تحليل طبيعة العلاقات الإقليمية، أكد الرفاعي أن الدول لا تتحرك وفقاً لمنطق المشاعر أو الوفاء الأخلاقي بل وفقاً لحسابات المصلحة وتقدير الضرورة، وهو ما يظهر بوضوح في العلاقات الإيرانية مع عدد من الدول بما في ذلك روسيا وتركيا. وأوضح أن هذه العلاقات رغم ما شهدته من توترات تاريخية شهدت مستويات من التنسيق والتفاهم عندما تقاطعت المصالح ما يعكس الطبيعة البراغماتية للسياسة الدولية ويؤكد أن التحالفات تبنى على أساس المصالح لا على أساس الانسجام الأيديولوجي.

وحذر الرفاعي من مخاطر الاستقطاب والانقسام المجتمعي، مشيراً إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في كثير من الأحيان في تعميق الانقسامات وتغذية خطاب التخوين والتبسيط ما يضعف مناعة المجتمعات ويخدم المشاريع التي تستفيد من تفكك الدول. وفي ما يتعلق بالموقف الأردني، شدد الرفاعي على أن القرار الأردني لا يُصنع تحت ضغط الانفعال أو الهتاف أو المزايدات بل يُبنى في مؤسسات الدولة وفي دوائر التقدير الاستراتيجي استناداً إلى خبرة طويلة ومتراكمة في التعامل مع أزمات المنطقة.

وأكد الرفاعي أن الأردن يجب أن يبقى ثابتاً في موقعه بين المشاريع المتنافسة، دولةً تعرف مصالحها وتحمي سيادتها وترفض أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ميداناً للفوضى. كما شدد على أهمية الحفاظ على الثقة الدولية التي راكمها الأردن عبر عقود، معتبراً إياها أحد أهم عناصر قوته ورافعة لدوره الإقليمي والدولي، إلى جانب ضرورة تعزيز علاقاته العربية والانخراط في بيئة إقليمية أكثر استقراراً.

وفي ختام حديثه، أكد الرفاعي أن الأردن اليوم أمام واجب الوعي وضرورة التماسك وأمام استحقاق حماية الدولة وتثبيت البوصلة، مشدداً على أن الالتفاف حول الدولة الأردنية والقيادة الهاشمية والثقة بمؤسسات القرار يشكل أحد أهم شروط المنعة السياسية في هذه المرحلة الدقيقة.