تهديدات باب المندب ترفع كلفة حرب ايران وتهدد الاقتصاد العالمي

تتصاعد المخاوف بشان اغلاق باب المندب، اذ يتجاوز التهديد البحري المحدود ليصبح صدمة محتملة لاسواق الطاقة والتجارة العالمية. ياتي ذلك مع اتساع نطاق الصراع في الشرق الاوسط واحتمال اغلاق المضيق الحيوي الذي يربط خليج عدن بالبحر الاحمر، بالتزامن مع التوترات في مضيق هرمز.

باب المندب ليس مجرد ممر ملاحي ثانوي، بل هو حلقة وصل اساسية لحركة النفط والمنتجات البترولية والتجارة بين اسيا واوروبا عبر قناة السويس. في المقابل، يمثل مضيق هرمز الشريان الرئيس لصادرات النفط الخام والغاز المسال من منطقة الخليج.

عندما يتعرض هذان الممران لضغوط متزامنة، فان التداعيات تتجاوز تعطيل امدادات النفط لتشمل ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة اقساط التامين، وتاخر مواعيد التسليم، وارتفاع اسعار الغذاء والسلع الصناعية، فضلا عن تاثير ذلك على توقعات النمو والتضخم على مستوى العالم.

تظهر بيانات ادارة معلومات الطاقة الامريكية ان نحو 4.2 ملايين برميل يوميا من النفط والمنتجات البترولية عبرت باب المندب في النصف الاول من هذا العام. وفي المقابل، عبرت قناة السويس وخط سوميد 4.9 ملايين برميل يوميا. وتوضح هذه الارقام ان هذا المسار كان قد بدا بالفعل في التراجع حتى قبل التهديدات الاخيرة.

وتشير البيانات ذاتها الى ان تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر باب المندب كانت شبه معدومة خلال العام الماضي والنصف الاول من العام الحالي بسبب المخاطر الامنية وارتفاع تكاليف التامين، ما يعني ان المضيق لم يعد معبرا للغاز، لكنه لا يزال مهما لنقل النفط والمنتجات البترولية وللربط التجاري البحري بشكل عام.

تكمن الاهمية الاقتصادية لباب المندب في موقعه الاستراتيجي، اذ يمثل البوابة الجنوبية للبحر الاحمر والطريق البحري الاقصر بين اسيا واوروبا عبر قناة السويس. ووفقا لبيانات الاونكتاد، يمر عبر قناة السويس نحو 10% من حجم التجارة البحرية العالمية و22% من تجارة الحاويات العالمية. واي اضطراب في باب المندب لا يؤثر فقط على ناقلات الطاقة، بل يضغط ايضا على سلاسل الامداد العالمية الخاصة بالحاويات والبضائع العامة.

صندوق النقد الدولي اوضح ان اضطرابات البحر الاحمر ادت في مطلع هذا العام الى هبوط التجارة العابرة للسويس بنسبة 50% على اساس سنوي، مع زيادة في المرور حول راس الرجاء الصالح بنسبة 74%. وهذا يدل على ان مجرد تراجع الثقة الامنية في هذا المسار كاف لاعادة تشكيل خرائط الملاحة والتجارة.

اي تعطل في باب المندب بالتوازي مع توقف هرمز سيحول الصدمة من ازمة طاقة خليجية الى ازمة نقل عالمية. الاونكتاد يقدر ان اعادة التوجيه حول راس الرجاء الصالح تزيد المسافة بين شينزن وروتردام من 10 الاف ميل بحري الى 13 الفا، وتطيل زمن الرحلة من 31 يوما الى 41 يوما.

كما سترتفع كلفة الرحلة الاسيوية الاوروبية ذهابا وايابا لسفينة حاويات متوسطة من مليون دولار عبر السويس الى 1.7 مليون دولار حول راس الرجاء الصالح، مع ما يترتب على ذلك من ارتفاع اجور الطواقم والوقود والتامين واحتمالات الاختناق في الموانئ.

الخسارة تتجاوز مجرد التاخير الزمني، لان الطرق الاطول تستهلك طاقة شحن اضافية وتقلص عدد الرحلات الممكنة للاسطول نفسه في العام الواحد. وتحويل السفن بعيدا عن البحر الاحمر يرفع الطلب العالمي على السفن 3% وعلى سفن الحاويات 12% بحلول منتصف هذا العام، ما يولد ضغطا اضافيا على الطاقة الاستيعابية العالمية ويخلق اختناقات جديدة في الموانئ ويرفع اسعار الشحن حتى قبل احتساب اثر الصدمة النفطية.

في جانب الطاقة، فان تزامن المخاطر يضرب معادلة الامداد من جهتين. هرمز لا يزال الممر الاكبر عالميا، اذ عبره في النصف الاول من هذا العام نحو 20.9 ملايين برميل يوميا من النفط والسوائل البترولية، اضافة الى 11.4 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز الطبيعي المسال، اي اكثر من خمس تجارة الغاز المسال العالمية.

باب المندب لا يكرر وظيفة هرمز من حيث الحجم، لكنه يضاعف اثر تعطله لانه ينسف مسار الالتفاف الجنوبي والربط مع السويس في الوقت نفسه. واذا تعطل هرمز وحده، يمكن الحديث عن بعض التحويلات المحدودة عبر الانابيب او الموانئ البديلة. اما اذا تعطل هرمز وباب المندب معا، فان الخسارة تتحول الى ازمة عبور واعادة توجيه واختناق لوجستي اوسع.

خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان اوضحت ان التاثير الاكبر حاليا قد لا يكون في النفط والغاز بقدر ما سيكون في سلاسل الامداد الاخرى. والتضييق على باب المندب تزامنا مع اغلاق مضيق هرمز يخنق ايضا قناة السويس، ويضيف ضغوطا اقتصادية على مصر، ويطيل زمن وصول السلع من اسيا الى اوروبا عبر الالتفاف حول افريقيا بما يتراوح بين 15 و20 يوما اضافية للناقلة.

السعودية والامارات تملكان معا طاقة انابيب فائضة بنحو 2.6 مليون برميل يوميا يمكن ان تلتف جزئيا على هرمز في حال التعطل. وخط الانابيب السعودي شرق غرب الى البحر الاحمر تبلغ طاقته 5 ملايين برميل يوميا ويمكن توسيعه مؤقتا الى 7 ملايين.

هذه البدائل لا تمثل حلا كاملا، لان جزءا منها يظل معتمدا في النهاية على مرافئ البحر الاحمر ومساراته البحرية التي لا تستطيع تعويض كامل الكميات التي تمر عبر هرمز. فضلا عن انها لا تحل مشكلة تعطل حركة الحاويات والبضائع غير النفطية. الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية صرح بانه لا بديل فعليا لهرمز، وهي عبارة تزداد دلالتها اذا اضيف اليها باب المندب بوصفه بوابة الخروج من البحر الاحمر.

استاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري بين ان الاقتصادات المعولمة لم تعد تنتج سلعة نهائية داخل حدود دولة واحدة، بل اصبحت تعتمد على مكونات ومدخلات تمر عبر عشرات البلدان والممرات البحرية. وتعطيل هرمز وباب المندب لا يصيب النفط وحده، بل يضرب ايضا الاسمدة والمعادن والمكونات الصناعية والسلع الوسيطة، بما ينعكس على تكلفة الانتاج العالمية وعلى اسعار المستهلك النهائي.

الخطر الاكبر لا يكمن فقط في الندرة المادية، بل ايضا في الية التسعير نفسها. الاخبار والمضاربات تدفع الاسواق الى ردود فعل مبالغ فيها قد تقفز بالاسعار بسرعة كبيرة قبل ان تصل الصدمة الكاملة الى الاقتصاد الحقيقي.

في سوق الشحن والتامين، قفزت اجور ناقلات الخام العملاقة على خط الشرق الاوسط الصين الى اكثر من 423 الف دولار يوميا مطلع مارس. وارتفعت اجور ناقلات الغاز المسال باكثر من 40%.

في التامين، ارتفعت كلفة التامين البحري على هيكل الناقلة الى 3% من قيمة السفينة مقابل نحو 0.25% قبل الحرب، بما يعادل نحو 7.5 ملايين دولار لناقلة تتراوح قيمتها بين 200 و300 مليون دولار.

كلفة التامين على شحن البضائع عبر الخليج ارتفعت بما يصل الى خمسة اضعاف في 48 ساعة فقط. وشركات كبرى فرضت رسوما اضافية مرتبطة بمخاطر الحرب و"الطوارئ النزاعات" على الشحنات المتجهة من والى الخليج والبحر الاحمر.

اي اغلاق فعلي او حتى تهديد مستمر لباب المندب قد يشل التجارة العالمية. فمجرد تغير تقدير الخطر لدى شركات التامين والملاحة يكفي لدفع السفن الى تجنب المسار. السيناريو الاخطر قد يبدا من تعديل عقود التامين ورفع اقساطها، قبل الوصول الى استهداف مباشر للسفن، بما يدفعها تلقائيا الى اختيار طريق راس الرجاء الصالح، لتعود موجة جديدة من ارتفاع الاسعار الى جانب موجة ارتفاع النفط والغاز الحاصلة.

على مستوى الاقتصاد الكلي، فان التشابك بين صدمة الطاقة وصدمة النقل يرفع احتمالات انتقال العالم الى بيئة اقرب الى الركود التضخمي. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعت ان نمو الاقتصاد العالمي مرشح للهبوط الى 2.9% في 2026، مع ارتفاع تضخم مجموعة العشرين الى 4%، اي اعلى بـ1.2 نقطة مئوية من التقديرات السابقة. مع خفض نمو منطقة اليورو الى 0.8% بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة.

القطاعات الاكثر تعرضا للضرر المباشر هي اسواق الطاقة والنقل البحري والتامين والبتروكيماويات والاسمدة والصناعات التحويلية. الطاقة تتلقى الصدمة الاولى عبر الخام والمنتجات والغاز. والشحن البحري يتلقى الصدمة الثانية عبر المسارات الاطول والرسوم الاضافية. والتامين يرفع الكلفة على كل سفينة تقرر العبور. ثم تنتقل العدوى الى الصناعات التي تعتمد على مدخلات مستوردة ومواعيد تسليم دقيقة، والى الغذاء والاسمدة نتيجة ارتفاع كلفة النقل والطاقة والمواد الاولية.

كميل الساري لخص هذه الحلقة بان التاثير لم يعد يقتصر على "قرية في افريقيا او مدينة في اسيا"، بل اصبح يمس الاقتصاد العالمي كله عبر الية الاسعار وسلاسل الامداد المتشابكة.