ارتفاع اسعار الشحن الجوي عالميا بسبب حرب ايران وتأثيرها على التجارة

تسبب التصعيد العسكري في الشرق الاوسط بضغوط كبيرة على اسواق الشحن الجوي العالمية، وهو ما اثر بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية. فقد ادى اغلاق بعض المجالات الجوية وتعطل حركة العبور في مراكز مثل دبي والدوحة، بالاضافة الى ارتفاع اسعار وقود الطائرات ورسوم التامين، الى قفزات حادة في اسعار الشحن الجوي.

وذكرت "وورلد ايه سي دي" لبيانات الشحن الجوي ان متوسط اسعار الشحن الجوي العالمية ارتفع بنسبة 10% خلال الاسبوع المنتهي في 15 مارس، ليصل الى 2.67 دولار للكيلوغرام. واشارت الى ان الاسعار الفورية عالميا صعدت بنسبة 12% لتصل الى 3.19 دولارات للكيلوغرام، في حين كانت القفزة الاكبر من نصيب الشرق الاوسط وجنوب اسيا، حيث بلغت الاسعار الفورية 4.37 دولارات للكيلوغرام بزيادة اسبوعية 22% وسنوية 58%.

كما بينت البيانات ان اسعار الشحن من جنوب اسيا الى اوروبا ارتفعت بنسبة 70%، ومن جنوب اسيا الى امريكا الشمالية بنسبة 58%، ومن اوروبا الى الشرق الاوسط بنسبة 55%. ويعكس هذا الاتساع نطاق التاثير من ازمة اقليمية الى اضطراب يطال سلاسل الامداد العالمية.

من جانبها، قالت استاذة ادارة الطيران في جامعة سري نادين عيتاني ان من اهم اسباب ارتفاع اسعار الشحن الجوي "التراجع الحاد في الطاقة الاستيعابية لشركات الطيران الخليجية بعدما اغلقت المجالات الجوية فوق قطر والامارات والسعودية والكويت". واضافت ان دبي والدوحة من اكبر مراكز العبور الجوي في العالم، وان شركات الطيران في الشرق الاوسط تمثل نحو 13% من طاقة الشحن الجوي العالمية، ما يعني ان اي تعطل واسع فيها ينعكس فورا على السوق الدولية.

واوضحت عيتاني ان المشكلة لا تتعلق فقط بتوقف بعض الرحلات، بل ايضا بان المسارات البديلة تستهلك وقودا اكبر، وتجبر الطائرات على حمل كميات اضافية من الوقود، ما يقلل من المساحة المتاحة للبضائع ويرفع الكلفة في الوقت نفسه.

كما ادى تجنب منطقة النزاع الى تغيير خريطة الحركة الجوية على عدد من الخطوط التجارية الكبرى، لا سيما بين اسيا واوروبا. فبدلا من المرور عبر مراكز التوزيع الخليجية، اضطرت شركات كثيرة الى تشغيل رحلات اطول، مع محطات اقل كفاءة ومرونة.

واشارت عيتاني الى ان طاقة ممر الصين-اوروبا الجوي انخفضت باكثر من 35% بسبب اغلاق مراكز التوزيع الخليجية، في حين ان اللجوء الى المسار البحري حول راس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 و15 يوما الى زمن العبور، وهو فارق لا يتناسب مع طبيعة السلع السريعة التلف او الشحنات التي تعتمد على التسليم السريع.

وبدوره، اوضح الرئيس التنفيذي لشركة كاثي باسيفيك رونالد لام ان كثيرا من رحلات الشحن الى اوروبا كانت تتوقف في دبي للتزود بالوقود وتحميل مزيد من البضائع، لكن الشركة اصبحت تتجاوز هذه المحطة وتتجه مباشرة الى اوروبا مع قيود على الحمولة بسبب عدم القدرة على التزود بالوقود في الطريق.

ومع تعطل جزء من حركة الشحن البحري في الخليج وتقطع السبل باكثر من 100 سفينة حاويات قرب مضيق هرمز، اتجهت بعض الشركات الى تحويل جزء من بضائعها الى الشحن الجوي، رغم ان هذا الخيار اكثر كلفة بعدة مرات من الشحن البحري. وتنقل الاسواق هذا التحول بشكل خاص في قطاعات الادوية والاغذية والالكترونيات.

وبين خبير سلاسل التوريد الصيدلانية براشانت ياداف ان بعض الادوية الجنيسة والمكونات الصيدلانية القادمة من الهند كانت تشحن بحرا عبر المضيق قبل ان تصدر لاحقا الى اوروبا وافريقيا وبعض الدول العربية، لكن عددا من الشركات بدا ينقلها جوا لتفادي التاخير والاضطراب البحري.

واكدت عيتاني ان اغلاق مضيق هرمز جعل موانئ الخليج العربي غير متاحة للشحن البحري المباشر من اسيا، ما جعل النقل الجوي "الخيار المتوفر رغم ارتفاع التكاليف".

كما زادت اسعار وقود الطائرات بنسبة 11% اسبوعيا، لتصبح اعلى بنحو 94% من مستويات ما قبل الحرب، ما دفع شركات النقل الى فرض رسوم وقود اضافية ورسوم مخاطر حرب.

وحذر الخبير الاقتصادي احمد عقل من ان استمرار الاضطراب لثلاثة الى ستة اشهر قد يبقي تكاليف الوقود والتامين مرتفعة على امتداد سلاسل الامداد العالمية. واضاف ان تغيير المسارات وارتفاع التامين واغلاق بعض المنافذ الجوية والبحرية كلها عوامل تفسر القفزة الحالية في الاسعار.

واشار عقل الى ان بعض التقديرات تتحدث عن ارتفاع تكاليف التامين الى نحو خمسة اضعاف في بعض الحالات، مما يعني ان الشركات لا تواجه فقط فاتورة وقود اعلى، بل فاتورة مخاطر اكبر ترتبط بالمرور عبر منطقة نزاع ايضا.

وفي المقابل، بدات شركات مستوردة ومصنعة باعادة تقييم اعتمادها على الشحن الجوي نفسه. فكلما ارتفعت الاسعار، اصبح استخدام هذا النمط من النقل مقتصرا اكثر على السلع الاساسية او مرتفعة القيمة او شديدة الحساسية للوقت، مثل الادوية والاغذية الطازجة وبعض مكونات التكنولوجيا.

ويرى احمد عقل ان اثر ارتفاع تكاليف الشحن لا يمكن فصله عن التضخم، مشيرا الى ان اغلب السلع تمر بواحدة او اكثر من حلقات النقل قبل وصولها الى المستهلك. وبالتالي فان زيادة تكاليف النقل تنعكس على السعر النهائي وتضعف القدرة الشرائية، وقد تؤدي في حال استمرارها الى خفض الطلب والانتاج معا، بما يعزز مخاوف التضخم والتباطؤ وربما الركود في بعض الاقتصادات.