المصممة دعاء بنحمو تحيي التراث المغربي بدمية يطو

داخل صندوق ورقي مستوحى من الأبواب التراثية المغربية، تطل دمية فريدة باسم "يطو"، وهو اسم امازيغي يعيد احياء التراث. بمجرد فتح الصندوق، يبدا الطفل رحلة خيال تجمع بين متعة اللعب والانتماء إلى هوية وثقافة بلاده.

المصممة دعاء بنحمو بدات مشروع انتاج الدمية "يطو" بمبادرة تمزج بين الابداع الحرفي وصون الذاكرة الثقافية واعادة التدوير. ولا تسعى دعاء لتقديم منتج ترفيهي فحسب، بل لجعل الاطفال يكتشفون المغرب من خلال دمى مستعملة ترتدي ازياء وحليا واحذية تقليدية تعكس التنوع الثقافي.

لم يكن مشروع "يطو" وليد الصدفة، بل امتداد لطفولة قضتها دعاء بين الاقمشة في ورشة والدتها بمدينة الخميسات. تتذكر دعاء قائلة: "كنت اصنع دمى من اعواد القصب وملابس من بقايا الاقمشة للعب بها مع صديقاتي".

رافق هذا الشغف دعاء في فترة دراستها الجامعية بالرباط، حيث كانت تدرس الاقتصاد بجامعة محمد الخامس. بعد ان صقلت مهاراتها في الخياطة، بدات في تصميم ازياء تقليدية مصغرة وتلبسها للدمى، ثم تبيعها في معارض الصناعة التقليدية، ما ساعدها على تمويل دراستها.

بعد التخرج كتقنية متخصصة في تنظيم المقاولات، عملت دعاء في عدة شركات لتبتعد عن عالم الخياطة، الى ان جاءت جائحة كورونا. في تلك العزلة، وجدت الفرصة لاستعادة شغفها القديم، وقررت البحث في تنوع الازياء التقليدية لتجعل من كل دمية "سفيرة ثقافية".

عكفت دعاء على دراسة المراجع والكتب لتتعمق في اسرار اللباس التقليدي، فاكتشفت سحر "الشدة التطوانية" وفخامة "القفطان الفاسي" وعراقة "الملحفة الصحراوية" وخصوصية "تكنست الامازيغي" وجمال "المنديل والشاشية الجبلية".

وتقول دعاء: "حاولت تجسيد هذا التنوع الثقافي في الملابس التي البسها للدمى، وكان هدفي بيع هذه المنتجات في المعارض التي تشارك فيها والدتي، ثم العودة للبحث عن وظيفة جديدة".

في اول معرض بعد الجائحة بالرباط، عرضت دعاء حوالي 75 دمية بيعت كلها. وتقول ان تشجيع الزبائن جعلها تقرر الدخول الى عالم الاحتراف واطلاق مشروعها الخاص.

لجات الى "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" للحصول على الات العمل، وحصلت على قرض من برنامج "فرصة" الحكومي، مما ساعدها على تاجير ورشة العمل وتجهيزها. وتؤكد ان "هذه البرامج تفتح الابواب للافكار والمشاريع الجادة".

ما يميز مشروع دعاء انه يقوم بالكامل على فكرة اعادة التدوير، حيث يتم جمع الدمى من الاسواق المستعملة، ثم تنظف وتصلح وتضاف لها لمسات مغربية. اما الشعر فيجلب من صالونات الحلاقة، وتصنع الملابس من بقايا الاقمشة، وتعاد صياغة الحلي من قطع مكسورة.

وتقول دعاء: "هذا المنتج هو نتيجة عملية تدوير كاملة، نحن لا نصنع لعبة، بل نصنع قطعة من الهوية بلمسات مستدامة".

في عام 2025، حصلت دعاء على المرتبة الاولى في "جائزة للا مريم للابتكار والتميز". ورات ان كل ما حدث اكد ان مشروع "يطو" يستحق ان يستمر وينجح.

يتجاوز طموح دعاء بيع الدمية "يطو"، بل تنظم ورشات في المدارس لتعريف الاطفال بتنوع الازياء في بلدهم. وتقول: "لا يعرف الاطفال في بعض المدارس الكثير عن الزي التقليدي، معلوماتهم سطحية ولا يدركون غنى عالم (الراندة) و(السفيفة)". لذلك ترى دعاء ان الدمية "يطو" هي اداة تربوية لربط الطفل بجذوره.

ولمشروع "يطو" زبائن اوفياء يدعمونه منذ انطلاقته. من بينهم السيدة العماري، وهي ام لطفلتين، زارت دعاء في معرض بالرباط لتختار دمى جديدة. وقالت: "اتابع مشروع دعاء منذ سنوات، وقد اعجبني اتقانها لعملها". واوضحت انها خصصت ركنا في منزلها لعرض هذه الدمى تعبيرا عن غنى الثقافة المغربية.

تؤكد دعاء بنحمو ان زبائنها الاوفياء هم المحفز الحقيقي للاستمرار في مشروعها. واليوم تعمل لتحقيق حلمها الاكبر وهو انتاج دمية بملامح مغربية خالصة. لذلك تخطط لزيارة الصين هذا العام للوقوف على تفاصيل تنفيذ هذا الهدف.

فالدمية "يطو" بالنسبة لها ليست لعبة فقط، بل حاملة للثقافة والافكار والتقاليد والذاكرة، وسفيرة داخل كل بيت تقرب الجيل الجديد من هويته.