اقتصاد الحرب: هل هو فرصة للنمو أم وهم مؤقت؟

يثير المشهد العالمي الحالي، بما فيه من نزاعات، تساؤلات حول الأثر الاقتصادي للحروب، وهل يمكن أن تكون دافعًا للنمو أم مجرد مكاسب وهمية قصيرة الأجل؟

تحمل الإجابة وجهتي نظر متباينتين، مدعومة بالحقائق والأرقام. فمن جهة، يرى البعض أن "اقتصاد الحرب" يسهم في ازدهار الميزانيات الدفاعية وتدفق الاستثمارات نحو التصنيع والابتكار العسكري، مما يخلق سيولة وفرص عمل في الصناعات الاستراتيجية.

بالمقابل، يحذر خبراء الاقتصاد من أن هذه الطفرة قد تكون "وهمًا قصير الأجل"، فالحروب تستنزف الموارد وتعطل سلاسل الإمداد، وتظهر تكلفتها الحقيقية في التضخم وارتفاع أسعار الطاقة.

الحرب وقوة الدفع الاقتصادي

أشار تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن السؤال عن الفائدة الاقتصادية للحرب قد يبدو قاسيًا، لأنها مأساة تدمر سبل العيش، لكنها تحمل جوانب إيجابية. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، خرجت من الحربين العالميتين أكثر ثراءً، وتحولت إلى قوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية.

تظهر الأرقام انخفاض البطالة في الولايات المتحدة من 14.6% عام 1940 إلى 1.2% عام 1944، وبحلول عام 1945، أنتجت الولايات المتحدة ما يعادل نصف الإنتاج الاقتصادي العالمي.

الإنفاق الدفاعي الضخم

يسعى الرئيس الأميركي إلى إقرار ميزانية دفاعية تبلغ 1.5 تريليون دولار، أي ما يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يقارب ذروة الإنفاق العسكري في عهد الرئيس ريغان خلال الحرب الباردة.

من المتوقع أن يؤدي إعادة تجهيز الترسانات الأميركية إلى إبقاء المصانع نشطة لسنوات، مما يخلق فرص عمل ويعزز الصناعات الدفاعية. كما نجحت كوريا الجنوبية، تحت التهديد الدائم بالحرب، في بناء قطاع مزدهر لتصدير الأسلحة، يشكل محركًا للنمو إلى جانب صادرات الرقائق الإلكترونية.

سجلت إسرائيل مؤخرًا مستويات قياسية من الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، مدفوعة بالإنفاق العسكري المتزايد، مما يعكس دور الحرب كعامل محفز للنمو الاقتصادي في بعض الدول.

تعمل أحواض بناء السفن الصينية على تطوير أكبر أسطول بحري في العالم، بالتوازي مع إنتاج السفن التجارية، ويلعب هذا الأسطول وقطاع الخدمات اللوجستية دورًا مزدوجًا في دعم قدرة الجيش وتسهيل نقل الإنتاج الصناعي إلى الأسواق العالمية.

أفادت "وول ستريت جورنال" بأن روسيا تنفق أكثر من 7% من ناتجها المحلي الإجمالي الرسمي على جيشها، متجنبة الانهيار الاقتصادي تحت ضغط العقوبات وتكاليف الحرب، وتتبع دول أخرى مثل كندا واليابان وأوروبا هذا التوجه، حيث تتدفق الأموال إلى معدات الحرب والأمن.

أوروبا وزيادة الإنفاق الدفاعي

بعد عقود من تقليل الإنفاق الدفاعي، تعهدت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بزيادة الإنفاق على التسلح والأمن ليصل إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يستلزم تخفيضات في قطاعات أخرى مثل الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية والثقافة.

يرى بعض الاقتصاديين جانبًا إيجابيًا في هذا التغيير، فمع ركود الاقتصاد الأوروبي والضغوط التي تتعرض لها صناعة السيارات، يمكن للإنتاج العسكري أن يوفر وظائف لعمال السيارات المسرحين ويستقطب المهندسين، ليصبح القطاع الدفاعي رافعة للنشاط الاقتصادي.

غالبًا ما تؤدي الأبحاث العسكرية إلى ابتكارات تدعم القطاعات المدنية، بدءًا من إنتاج الصلب على نطاق واسع وصولًا إلى الجراحة الترميمية. وتساهم عقود الدفاع في تمويل تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والطائرات المسيرة، التي تمتلك إمكانات هائلة لتغيير وإثراء مختلف قطاعات الاقتصاد المدني.

وجهة نظر بديلة

يرى العديد من الخبراء أن التاريخ يعلمنا عدم القدرة على التنبؤ بالأثر الاقتصادي للإنفاق العسكري. فصحيح أن الولايات المتحدة شهدت ازدهارًا اقتصاديًا في ستينيات القرن الماضي، ولكن سرعان ما واجهت ركودًا تضخميًا بسبب حرب فيتنام، بينما بدا الاتحاد السوفيتي قويًا حتى ثبت أن إنفاقه المفرط على الأسلحة غير فعال.

اندلعت الثورة الفرنسية جزئيًا بسبب التكلفة الباهظة لدعم المتمردين الأميركيين ضد إنجلترا، حيث نجح الملك الفرنسي لويس السادس عشر في تجريد منافسه الأوروبي اللدود من "جوهرته الاستعمارية"، لكن ثمن هذا الانتصار كان إفلاس خزينة فرنسا وفقدان الملك لعرشه وحياته.

تبقى سلبيات الإنفاق العسكري معروفة، فقد يؤدي إلى شح الموارد المتاحة للمستهلكين وارتفاع معدلات التضخم، مع توجيه المواد الخام نحو إنتاج الأسلحة بدلاً من السلع الاستهلاكية، كما يزاحم هذا الإنفاق الاستثمارات الأكثر إنتاجية، حيث تلجأ الحكومات إلى الاقتراض لتمويله، مما يرفع تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات.

إلى جانب ذلك، قد يستقطب قطاع الدفاع العمالة من قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع، مما يضغط على سوق العمل ويرفع الأجور.

هل الحرب مفيدة للاقتصاد؟

أوضح المحلل الاقتصادي والمالي محمد أبو الحسن أن سؤال "هل الحرب مفيدة للاقتصاد؟" يضعنا أمام حقيقة معقدة، فالإجابتان المتناقضتان صحيحتان في آن واحد، لأن تقييم أثر الحرب على الاقتصاد يعتمد على الإطار الزمني المستخدم.

أضاف أبو الحسن أنه على المدى القصير، قد تكون الحرب مفيدة للاقتصاد، حيث تعمل كمحفز للنشاط الصناعي، فعندما يتم ضخ مئات المليارات من الدولارات لتمويل الحرب، تتحول هذه الأرقام إلى طلبات شراء حقيقية لمصانع الصلب وشركات التكنولوجيا والنقل والمعدات الثقيلة وغيرها، مما يؤدي إلى امتصاص البطالة وتحريك السيولة في الاقتصاد.

أردف أبو الحسن أن النمو الاقتصادي الذي يتم تحقيقه خلال الحرب يقوم على الاستهلاك لا على الاستثمار، فبينما تبني الاستثمارات المدنية جسورًا ومصانع تخدم الاقتصاد لعقود، تُنتج الحرب معدات صُممت لتنفجر أو لتُستهلك في ميدان المعركة، مما يترك وراءه ديونًا سيادية وتضخمًا ينهك القوة الشرائية للمواطن العادي، لافتًا إلى أن بعض الدول قد تربح معركة النمو التقني والصناعي خلال الحرب، ولكنها قد تخسر استقرارها المالي طويل الأمد.

خداع بصري اقتصادي

اعتبر أبو الحسن أن هذا التناقض يضعنا أمام مشهد أشبه بالخداع البصري الاقتصادي، حيث نرى ازدهارًا في المؤشرات الصناعية والعسكرية، ولكننا نشعر بوطأة الغلاء والديون في حياتنا اليومية، مما يجعل من "اقتصاد الحرب" حالة فريدة تجتمع فيها أرقام النمو مع الركود المعيشي في آن واحد.

نمو وهمي

أشارت الصحفية الاقتصادية باتريسيا جلاد إلى أن النمو الذي تولده الحروب غالبًا ما يكون مشروطًا ومؤقتًا، بل ويمكن اعتباره نموًا وهميًا، قائمًا على إعادة توجيه الموارد لا على خلق قيمة حقيقية مستدامة، فالإنفاق العسكري يخلق طلبًا وينشط الاقتصاد ولكنه يفعل ذلك على حساب قطاعات أخرى أكثر إنتاجية على المدى الطويل.

دروس التاريخ

أكدت جلاد أن التجارب التاريخية تدعم هذا الطرح، فالولايات المتحدة نفسها التي استفادت من الحرب العالمية الثانية، دفعت لاحقًا ثمن حرب فيتنام عبر موجات تضخم وركود اقتصادي، أما الاتحاد السوفياتي فقد انهار جزئيًا بسبب استنزاف موارده في سباق تسلح غير مستدام، وحتى في الحالة الروسية الحالية، فإن الإنفاق العسكري المرتفع قد يمنع الانهيار الفوري، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية العميقة في الاقتصاد، مشددةً على أن الحروب تحدث صدمات واسعة في الاقتصاد العالمي، من اضطراب سلاسل الإمداد إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ما ينعكس سلبًا على المستهلكين والشركات، كما أن تمويل هذا الإنفاق عبر الديون يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، ما يضغط على الاستثمار الخاص ويبطئ النمو في القطاعات المدنية.

اختتمت جلاد حديثها قائلة إن الاعتقاد بأن الحرب قادرة على صناعة اقتصاد مستدام يعد واحدًا من أخطر الأوهام الاقتصادية على الإطلاق، فالحروب غالبًا ما تترك الجسم الاقتصادي منهكًا ومثقلًا بالديون ومشوهاً في بنيته الإنتاجية، وفي نهاية المطاف يبقى الرابح الحقيقي من هذه الدوامة طرف ثالث لم يدخل المعركة، حيث يستفيد من الصراع دون أن يتحمل كلفة التدمير أو الاضطراب الناتج عنه.