الحرب على ايران تحول ازمة الطاقة الى ازمة غذاء عالمية

تتجلى الازمة الحالية في ارتفاع اسعار الغذاء بشكل ملحوظ في اقتصادات الجنوب العالمي، ما يضعف القدرة الشرائية للاسر ذات الدخل المنخفض ويزيد الضغوط المعيشية على الفئات الهشة، الامر الذي يثير مخاوف بشان الامن الغذائي، وتشير تقديرات الى ارتفاع اسعار الاسمدة بنسبة كبيرة منذ اندلاع الحرب.

على الرغم من انتاج الغذاء العالمي لم يتاثر بشكل مباشر، الا ان الازمة تتسم بتعقيد اكبر من مجرد صدمة في العرض، حيث ان تحول ازمة الطاقة الى ازمة غذاء لا يحدث عبر الحقول الزراعية بل عبر البنية التحتية للانتاج، اذ تنقل الطاقة تاثيرها الى الاسمدة والانتاج والاسعار.

هذه المفارقة تعكس تحولا في طبيعة الصدمة، فالحرب تستهدف الاسس العميقة التي يقوم عليها انتاج الغذاء، وتضغط على اسواق الطاقة، ما يؤدي الى ارتفاع تكاليف التشغيل وتقييد تدفقات الاسمدة وتعطيل شبكات النقل والتجارة العالمية.

بفعل هذا الترابط البنيوي، تنتقل الصدمة تدريجيا من قطاع الى اخر، لتعيد تشكيل هيكل التكاليف عالميا، قبل ان تنعكس على اسعار الغذاء التي يتحملها المستهلك النهائي.

الحرب تدفع اسعار النفط والغاز الى مستويات مرتفعة، حيث تجاوزت اسعار النفط 100 دولار للبرميل، نتيجة لتقييد الامدادات وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.

هذه الزيادة تؤثر فورا على القطاع الزراعي، حيث تعتمد المنظومة الغذائية الحديثة على الطاقة في تشغيل الالات الزراعية وانظمة الري وتصنيع الاسمدة، كما تتحكم الطاقة في تكاليف النقل والتخزين والتوزيع.

تشير تقديرات الى ان الطاقة تمثل نسبة كبيرة من تكلفة انتاج الاسمدة، ما يجعل اي اضطراب في اسواقها يتحول مباشرة الى ضغط على مدخلات الانتاج الزراعي.

هذا الترابط الهيكلي يدفع تكاليف الانتاج الزراعي الى الارتفاع، ويترجم سريعا الى زيادات في اسعار الغذاء، ما يعكس انتقال الضغط من قطاع الطاقة الى النظام الغذائي باكمله.

ينظر العالم الى مضيق هرمز كعنق زجاجة للطاقة، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز المسال عالميا، الا ان الحرب تكشف وظيفة اكثر تركيبا لهذا الممر الحيوي ضمن البنية الاقتصادية العالمية.

ينقل المضيق قرابة ثلث تجارة الاسمدة العالمية، ما يمنحه دورا مزدوجا يتجاوز الطاقة الى صميم النظام الغذائي.

تعطل هذا المسار بسبب التصعيد العسكري واغلاقه يؤدي الى تقييد تدفقات مزدوجة التاثير: الطاقة ومدخلات الانتاج الزراعي.

تشير تقارير الى ان الضربات التي طالت منشات الطاقة في الخليج ادت الى وقف او خفض الانتاج في عدد من المصانع، ما يعيد تموضع هرمز كنقطة اختناق تربط بين امن الطاقة واستقرار الامدادات الغذائية.

تفرض ازمة الاسمدة نفسها بوصفها المسار الاكثر حساسية في انتقال الصدمة، حيث تمتد تداعياتها الى تهديد كميات الانتاج الزراعي مستقبلا.

ترتفع اسعار اليوريا الى مستويات قياسية مقارنة بما قبل الحرب، فيما تشير تقديرات الى ان جزءا كبيرا من الامدادات العالمية مهددة بالاضطراب.

هذه التطورات تدفع المنتجين الزراعيين الى تقليص استخدام الاسمدة، ما ينعكس مباشرة على الانتاجية، ويحذر خبراء من ان هذا المسار سيؤدي الى تراجع انتاج الحبوب والاعلاف.

تراجعت صادرات اليوريا عالميا بشكل ملحوظ، وشهدت بعض الاسواق نقصا في الامدادات، حيث ابلغ مزارعون في الولايات المتحدة عن عجز في توفر الاسمدة.

تكتسب هذه الصدمة طابعا مؤجلا، حيث تظهر اثارها خلال دورات الحصاد اللاحقة، ما يخلق موجة ثانية من الضغوط، في ظل غياب مخزونات استراتيجية عالمية.

تؤدي الحرب الى تعطيل مسارات الشحن البحري ورفع تكاليف التامين والنقل، حيث تشير تقارير الى ارتفاع اقساط التامين البحري وتراجع حركة السفن في الخليج.

تعيد شركات الشحن توجيه مساراتها لتفادي مناطق التوتر، ما يطيل زمن الرحلات ويرفع الكلفة التشغيلية ويؤدي الى اختلال كفاءة تدفق السلع الاساسية عبر الاسواق العالمية.

تنعكس هذه الاضطرابات مباشرة على الدول المعتمدة على الواردات، لا سيما في الشرق الاوسط واسيا وافريقيا، حيث تعتمد هذه الاقتصادات على التدفقات الخارجية لتامين الحبوب والاسمدة.

يؤدي اختلال الشحن الى تاخير وصول الامدادات ورفع اسعارها، ما يضغط على توازنات الاسواق المحلية، وتتفاقم اثار الازمة في السلع سريعة التلف.

تتحمل الاقتصادات الناشئة العبء الاكبر لهذه الصدمة، نظرا لارتفاع الوزن النسبي للغذاء والطاقة ضمن سلة الاستهلاك.

تعتمد دول على واردات الاسمدة من الخليج، وتفتقر الى مخزونات استراتيجية كافية، وتشير بيانات الى ارتفاع تكاليف الاسمدة في بعض الدول.

يحذر خبراء من ان الازمة قد يكون لها تاثير كبير على اسعار الغذاء، وتؤكد تقارير ان هذه الاقتصادات تبقى عرضة لتقلبات خارجية حادة.

تتجاوز التداعيات الجانب الاقتصادي، اذ تدفع ارتفاعات الاسعار الى زيادة معدلات الفقر وتضغط على المالية العامة في الدول التي تعتمد على دعم الغذاء وترفع احتمالات التوترات الاجتماعية.

تعيد الازمة الحالية احياء العلاقة التاريخية بين ارتفاع اسعار الغذاء وتصاعد الاضطرابات الاجتماعية، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على سياسات دعم للحفاظ على الاستقرار.

تؤثر الصدمة كذلك على مسارات السياسات النقدية، حيث تدفع الضغوط التضخمية البنوك المركزية الى التريث في خفض اسعار الفائدة، ما يقيّد النمو الاقتصادي.

تتداخل هذه التاثيرات مع تحولات اضافية، اذ يؤدي ارتفاع اسعار الطاقة الى اعادة توجيه جزء من الانتاج الزراعي نحو الوقود الحيوي، ما يقلص الامدادات الغذائية.

تمتد التداعيات الى قنوات الدخل الخارجي، حيث قد يؤدي التباطؤ الاقتصادي في دول الخليج الى تقليص تحويلات العمالة الوافدة، ما ينعكس سلبا على اقتصادات تعتمد على هذه التدفقات في دعم الاستهلاك والاستقرار المالي.