العراق يواجه تقنين النفقات مع تداعيات حرب إيران على عيد الفطر

بغداد- مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، يتبين أن العراق من بين الدول الإقليمية الأكثر تضررا. وأظهرت البيانات أن عيد الفطر هذا العام يأتي في ظل ظروف استثنائية، حيث لم تشهد المراكز التجارية الكبرى الإقبال الذي كان يأمله التجار.

أوضح المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، أن العراق يعتمد في موازنته المالية السنوية بنسبة تفوق 90% على إيرادات صادرات النفط، في حين تستحوذ الرواتب والنفقات الحكومية على ما بين 65% و70%.

أكدت شركة النفط العراقية "سومو" أنه مع بدء الحرب في 28 فبراير/ شباط الماضي، توقفت الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الرئيسي لنحو 20% من مجمل النفط المصدر نحو العالم، والمنفذ الرئيسي لصادرات نفط العراق بمعدل 3.6 ملايين برميل يوميا.

أضافت الشركة أنه إضافة إلى توقف هذه الصادرات مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، حُرم العراق من تصدير نفطه منذ أكثر من أسبوعين، مما سيؤثر على التدفقات المالية لخزينة الدولة، وهو ما أثار مخاوف العراقيين من أن تتأثر رواتبهم.

بين مظهر محمد صالح أن الرواتب العامة مؤمنة بالكامل، وأن العراق لديه احتياطي نقدي يزيد على 92 مليار دولار يعد الأمان الاقتصادي له.

يصف الخبير الاقتصادي أنمار العبيدي وضع البلاد بأنه "شائك جدا" إثر الحرب على إيران، مبينا أن الوضع المالي للبلاد يعاني بالأساس من مشكلة نقص السيولة وارتفاع معدلات العجز وعدم إقرار الموازنة، إضافة إلى مشكلة أخرى تتمثل بغياب حكومة قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية جريئة، لا سيما أن حكومة تصريف الأعمال مستمرة بعد أكثر من أربعة أشهر على الانتخابات.

أكد العبيدي أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوقف تصدير النفط، بل تمتد إلى قطاعات أخرى، وأن قيمة العجز المالي في البلاد كانت تقدر قبيل الحرب بنحو 30 مليار دولار، لكنها سترتفع إلى ما لا يمكن توقعه إن استمر إغلاق مضيق هرمز.

أضاف العبيدي أن البلاد قد تخسر يوميا قرابة 11 مليون دولار شهريا جراء توقف الملاحة البحرية والجوية فوق البلاد وإغلاق المجال الجوي، إضافة إلى خسارة المطارات وسلطة الطيران المدني وقطاع النقل والخدمات اللوجستية والجمارك التي تعد موارد غير نفطية.

بات تأثير الحرب واضحا على الأسواق في العراق وعلى توفر البضائع، وكذلك إقبال العراقيين على الشراء، لا سيما في فترة عيد الفطر، فعلى غير المعتاد في كل عام، لم تشهد الأسواق الرئيسية في جميع المدن العراقية الإقبال المعتاد أثناء الأعياد في الأعوام السابقة، كما لا يمكن مقارنة الوضع التجاري في البلاد بما كان عليه حال الأسواق ذاتها قبيل شهر رمضان.

في العاصمة العراقية بغداد، يلاحظ المار في مراكز التسوق تراجع عدد المتسوقين عن نصف ما كان عليه قبل شهر أو في الأعياد السابقة، الأمر الذي يؤكده تاجر الملابس حسين محمد (50 عاما) الذي تحدث عن واقع الأسواق بعد الحرب على إيران.

يشير محمد إلى أن الحرب أثرت فعليا على الحركة التجارية، وأن ثمة تخوفا واضحا من قبل الناس مع اتجاه الغالبية العظمى للحد من شراء الأشياء غير الضرورية، مبينا أنه في مجال الألبسة اقتصرت الكثير من العائلات على ابتياع ملابس للأطفال فقط.

أما عن مدى توفر البضائع في الأسواق، فيقول محمد إن ثمة مشكلة متداخلة، فالمخزونات أوشكت على النفاد، ورغم تراجع عدد المقبلين على الشراء، تكمن المشكلة في أن الموسم الحالي يعد في العراق صيفيا، وكان من المنتظر أن تصل البضائع للبلاد في الأيام العشرين الماضية، غير أن إغلاق مضيق هرمز حال دون وصول سفن الشحن وعاد بعضها إلى الصين وفيتنام من دون القدرة على الوصول للموانئ العراقية، وكبّد ذلك التجار خسائر وصفها بالفادحة.

وفي مدينة الموصل (400 كيلومتر شمال بغداد) يؤكد رجل الأعمال زيد أسامة أن البضائع بدأت تشح من الأسواق، لا سيما الملابس والمواد المنزلية مع ارتفاع أسعارها بنسبة لا تقل عن 20% نتيجة توقف الملاحة بسبب الحرب وما رافق ذلك من ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي بعيد الحرب.

يقول أسامة إنه رغم فتح الحدود العراقية التركية، إلا أن ثمة تخوفا لدى التجار من الاستيراد، فالوضع غير مستقر وأي تطور في هذه الحرب قد يؤدي لإغلاق الحدود وعدم مقدرة التجار على إدخال بضائعهم إلى البلاد.

ويقول متسوقون في سوق النبي يونس، أكبر الأسواق الشعبية في مدينة الموصل، إن شراء حاجيات العيد بات محصورا في شراء المواد الغذائية الضرورية وتلبية متطلبات الأطفال فقط لتخوفهم من تبعات الحرب الدائرة واحتمال انقطاع الرواتب.

تقول سمية خضير "لم نشتر أي احتياجات غير ضرورية، نحاول أن نلبي متطلبات العيد للأطفال فقط، لا نعلم ما الذي قد يحصل في الأيام القادمة، قد تنقطع الرواتب ونحن مضطرون لشراء وتخزين المواد الغذائية الضرورية فقط، والبدء في مرحلة التقشف حتى حين".

فيما يتعلق بالمواد الغذائية ومدى توفرها في الأسواق، يقول تاجر المواد الغذائية بالجملة في منطقة الوزيرية وسط بغداد، باسم علي، إن المواد الغذائية لا تزال متوفرة في الأسواق، إلا أن ثمة بوادر تخوف لتراجع سلاسل إمداداتها أو تعطلها فترة أطول إذا ما استمرت الحرب وإغلاق مضيق هرمز، لا سيما تلك المستوردة من دول شرق آسيا.

يشير علي إلى أن المواد الغذائية مثل الألبان والأجبان والفواكه والخضراوات الإيرانية توقف استيرادها منذ أن أعلنت الأخيرة عن حظر تصديرها للخارج في رابع أيام الحرب وباتت شحيحة في الأسواق مع ارتفاع أسعارها بما لا يقل عن 50%.

وفيما لا تزال ثمة أصناف منافسة أخرى من مناشئ تركية وأردنية ومصرية وغيرها، يقول "ارتفعت أسعار جميع المواد الغذائية ما بين 10% و20% نتيجة توقف سلسلة الإمدادات وبدء استنفاد المخازن وتأثر الاقتصاد المحلي وسعر الصرف".

وكان الأمين العام لغرفة التجارة المشتركة بين العراق وإيران جهان شيرازي أكد أن التجارة بين البلدين نمت عام 2024 إلى 12 مليار دولار سنويا، في الوقت الذي كان يميل فيه الميزان التجاري لصالح إيران بنحو 11.3 مليار دولار سنويا.

يرجع علي سبب الارتفاع لعاملين:

  1. مواجهة المواد المستوردة عن طريق الموانئ مشكلتين بالنظام الجمركي الجديد (الإسكودا) الذي بدأ العراق تطبيقه قبل شهرين، إضافة إلى ما أفرزته الحرب على إيران من توقف تام للملاحة والموانئ العراقية.
  2. تخوف التجار من الاستيراد بصورة عامة سواء من تركيا أو الأردن، فالوضع الأمني والاقتصادي غير مستقر تماما. وفق التاجر البغدادي.

في غضون ذلك، يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور مصطفى حنتوش إن غالبية التجارة مع إيران هي لمواد غذائية يمكن تعويضها عبر تركيا والأردن، أما ما يتعلق بملف استيراد الغاز فإنه قد توقف بسبب تعرض حقول الغاز الإيراني لهجمات أمريكية وإسرائيلية وأدى لتراجع معدلات تجهيز الطاقة الكهربائية في العراق.

وعن تأثير هذه الحرب ووقعها على المواطن العراقي اقتصاديا، يرى حنتوش أن القدرة الشرائية لم تتأثر حتى الآن واقتصرت على محدودية إنفاق العراقيين بسبب مخاوفهم من الحرب واحتمالية توقف الرواتب، مبينا أنه في حال استمرت الحرب، فإن ثمة مشكلة كبيرة ستواجه البلاد، وتتمثل بأنه ومنذ 19 يوما تعطّل تصدير النفط العراقي وانحسر لأقل من مليون برميل، في حين أن البلاد كانت تصدر نحو 3.6 ملايين برميل يوميا بعائدات تربو على 250 مليون دولار في اليوم الواحد.

لم يخف حنتوش تخوفه على الاقتصاد العراقي، داعيا الحكومة إلى الحصول على استثناء من إيران لاستئناف الصادرات النفطية، لا سيما أن الوضع الاقتصادي للعراق لا يمكن مقارنته بدول الخليج العربي، مبينا أن السعودية لديها خطوط أنابيب على البحر الأحمر في "ينبع" ويمكنها تصدير ملايين البراميل يوميا، في الوقت الذي تمتلك فيه بقية دول الخليج صناديق استثمارية تعينها على مواجهة الأزمة وهو ما لا يمتلكه العراق.

ويرى حنتوش أنه يتوجب على الحكومة التحرك والعمل على تصدير النفط عبر الأنابيب والشاحنات إلى الدول المجاورة بما لا يقل عن مليون ونصف مليون برميل يوميا لمحاولة تعويض جزء من الخسائر المترتبة على توقف موانئ التصدير.

تأثيرات مباشرة للحرب على إيران بدأ العراقيون يستشعرون تبعاتها مبكرا، إذ إن البلاد التي كانت تعاني أساسا من مشكلات اقتصادية وتراكم الفساد المالي سنوات طويلة، وجدت نفسها فجأة في أتون حرب بدأت تضرب بقوة في اقتصادها في انتظار ما ستؤول إليه هذه الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع.