تصاعد تكلفة الحرب: صواريخ باتريوت وصدمة الطاقة تهز الاقتصاد العالمي

تتزايد التكلفة الاقتصادية للحرب، لتتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية وتمتد آثارها إلى قلب الاقتصاد العالمي، حيث تتلاقى فاتورة السلاح مع صدمة الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد.

في الأيام الستة الأولى من العمليات العسكرية، أنفقت الولايات المتحدة ما يزيد على 11.3 مليار دولار، وفقًا لتقديرات وكالة بلومبيرغ، مما يعكس حجم الاستنزاف المبكر لنزاع لم يكمل أسبوعه الأول.

وتشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر من هذه التكلفة يتعلق بالدفاعات الجوية، حيث أطلقت واشنطن حوالي 800 صاروخ اعتراضي في الأسبوع الأول، بتكلفة تجاوزت 3 مليارات دولار.

تعتمد هذه العمليات بشكل أساسي على منظومة "باتريوت"، التي تصل تكلفة النظام الواحد منها إلى نحو مليار دولار، بينما يبلغ سعر الصاروخ الاعتراضي الواحد حوالي 4 ملايين دولار. وتصف بلومبيرغ هذه الصواريخ بأنها "حبر الطابعات المكلف" بالنسبة للبنتاغون، نظرًا لاستهلاكها السريع وتكلفتها المرتفعة.

تكشف هذه الأرقام عن معادلة اقتصادية غير متوازنة، حيث تتجاوز تكلفة اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة تكلفة إطلاقها، مما يخلق ضغطًا ماليًا مستمرًا مع استمرار الحرب. كما دفعت الولايات المتحدة بحاملتي طائرات إلى المنطقة، إضافة إلى مئات الضربات الجوية، مما يضيف أعباء أخرى من الإنفاق التشغيلي اليومي المرتفع، في وقت لا تزال فيه أهداف الحرب موضع جدل داخلي.

يتزامن هذا التصعيد مع انتقادات داخلية متزايدة، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين يعارضون الحرب وتكلفتها المتصاعدة، وفقًا لبلومبيرغ. ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، مما يعيد توجيه الضغط نحو الإدارة الأمريكية.

ارتفعت أسعار البنزين إلى نحو 3.84 دولارات للغالون، وهو أعلى مستوى في أكثر من عامين، مما يفاقم العبء على المستهلكين. وتتقاطع هذه الضغوط مع تعهدات سابقة بخفض الإنفاق الحكومي، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل فاتورة الحرب المتسارعة.

تتوسع الكلفة الأكبر لتشمل أسواق الطاقة العالمية، مع انتقال الحرب إلى استهداف مباشر للبنية التحتية النفطية والغازية. فقد تعرضت منشأة رأس لفان في قطر، أكبر مركز لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، لأضرار "واسعة"، وفقًا لبلومبيرغ، بعد ضربة صاروخية إيرانية، ردًا على استهداف حقل "بارس" الجنوبي في إيران.

طالت الهجمات منشآت في السعودية والإمارات والكويت، مما أدى إلى تعطيل جزئي للإنتاج واندلاع حرائق في مواقع حيوية، وتوقفت إمدادات الغاز الإيراني إلى العراق، مما انعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء.

يمثل هذا التحول انتقالًا واضحًا للحرب من استهداف عسكري إلى استهداف اقتصادي مباشر، مع تهديد أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم. وفي قلب هذه الأزمة، يبرز مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، كمحور رئيسي للاضطراب.

أصبح المضيق شبه مغلق فعليًا، وفقًا لبلومبيرغ، مما أدى إلى تعطيل التدفقات ورفع المخاطر الجيوسياسية في الأسواق. هذا الإغلاق لا يضغط فقط على الأسعار، بل يعيد تشكيل طرق التجارة العالمية، ويزيد من تكاليف الشحن والتأمين، ويضع الاقتصادات المستوردة للطاقة تحت ضغط مباشر.

انعكست هذه التطورات سريعا على الأسعار، حيث صعد خام برنت إلى نحو 113 دولارا للبرميل، مسجلا ارتفاعا يتجاوز 55% منذ بداية الحرب، وفق بيانات بلومبيرغ. كما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا، مما يعزز المخاوف من موجة تضخم جديدة تقودها الطاقة.

امتدت التداعيات إلى الأسواق المالية، حيث تراجعت الأسهم وارتفعت عوائد السندات، في إشارة إلى إعادة تسعير المخاطر على نطاق واسع. بدأت التداعيات تظهر في الاقتصاد الحقيقي، خاصة في القطاعات الحساسة للطاقة. ويواجه المزارعون في الولايات المتحدة ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، مما يؤثر على قرارات الإنتاج ويهدد بارتفاع أسعار الغذاء.

تتعرض سلاسل الإمداد لضغوط إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، في ظل بيئة جيوسياسية غير مستقرة. وفي هذا السياق، سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى احتواء التصعيد، داعيا إلى وقف استهداف منشآت الطاقة، ومؤكدا أن الولايات المتحدة "لم تكن على علم" بالهجوم على حقل "بارس" الجنوبي، مع الإشارة إلى أن إسرائيل لن تكرر الضربة ما لم تصعّد إيران هجماتها.

حذرت طهران من أن منشآت الطاقة في الخليج ستظل "أهدافا مشروعة"، مما يعكس استمرار خطر التصعيد. وبين كلفة عسكرية تتصاعد يوميا، وأسواق طاقة مضطربة، وضغوط اقتصادية تمتد من الوقود إلى الغذاء، تتشكل معادلة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، في مشهد تتزايد فيه الفاتورة مع كل يوم إضافي من الحرب.