مأساة في جنوب لبنان: استهداف المسعفين يودي بحياة يوسف عساف

في مشهد مأساوي يعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي في جنوب لبنان، فقد يوسف عساف، المسعف في الصليب الأحمر اللبناني، حياته جراء غارة إسرائيلية استهدفت طاقم إسعاف كان في مهمة إنسانية بمدينة صور. هذا الحادث المروع سلط الضوء مجددا على المخاطر الجسيمة التي يتعرض لها العاملون في المجال الطبي أثناء النزاعات المسلحة.

جندارك بطرس، زوجة الفقيد، روت تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الفاجعة، موضحة أن الاتصال الذي تلقته من الدفاع المدني في وقت متأخر من الليل كان بداية لصدمة كبيرة. قالت بطرس: "اتصل بنا أحد من الدفاع المدني الساعة العاشرة والنصف ليلا، وقال لنا إن يوسف في المستشفى لكنه بخير. شعرنا بالصدمة".

وأضافت الزوجة المكلومة: "لم أقم بأي ردة فعل، بقيت أصلي وأقول بقلبي لن يصيبه مكروه". لكن القدر كان أسرع، حيث فارق عساف الحياة بعد يومين متأثرا بجراحه.

وزارة الصحة اللبنانية نعت عساف، مؤكدة أنه قتل "متأثرا بجراح أصيب بها إثر استهداف العدو الإسرائيلي سيارة الإسعاف التي كان يتوجه فيها مع زميله الذي جرح أيضا للقيام بمهمة إنقاذية في بلدة مجدل زون قضاء صور".

بطرس وصفت خبر الوفاة بأنه صاعقة، قائلة: "أعطوني حقنة أو حبة مهدئ، لا أعرف ماذا حصل معي، وقعت على الأرض وكنت أتخبط". وشددت على أن استهداف المسعفين عمل غير قانوني ومرفوض، متسائلة: "كيف يجرحون أو يقتلون مسعفين ينقذون الناس؟ ليسوا مسلحين ولا محزبين؟".

من جهته، أكد الأمين العام للصليب الأحمر جورج كتانة أن فرقهم تتحرك في جنوب لبنان بالتنسيق مع الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة، مطالبا بـ"تأمين مسار آمن" للمسعفين. وأضاف كتانة أن الصليب الأحمر طالب وزارة الخارجية بالتواصل مع الأمم المتحدة لضمان حماية الطواقم الطبية وتأمين مسارات آمنة لهم.

تأتي هذه الحادثة في ظل تصاعد المخاوف بشأن سلامة العاملين في القطاع الصحي، حيث أعربت منى أبو زيد، مديرة مستشفى في النبطية، عن قلقها البالغ على المسعفين، مشيرة إلى أن وتيرة القصف المتواصل تزيد من صعوبة عملهم. وقالت أبو زيد: "الوضع صعب جدا... هناك قصف متواصل، يسقط مدنيون. منذ أيام وصلتنا أشلاء طفلة. إلى أي مدى بإمكاننا تحمل هذا الضغط؟".

فاطمة شومر، أرملة ممرض قضى في غارة استهدفت مركزا للرعاية في برج قلاويه، تساءلت عن سبب استهداف العاملين في المجال الطبي، مؤكدة أنهم يقدمون المساعدة للجميع بغض النظر عن انتماءاتهم.

في المقابل، اتهم الجيش الإسرائيلي "حزب الله" باستخدام سيارات الإسعاف "استخداما عسكريا واسعا"، بينما تتهم وزارة الصحة اللبنانية الجيش الإسرائيلي باستهداف الطواقم الإسعافية بشكل مباشر.

رمزي قيس، الباحث في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، أوضح أن القانون الدولي يحظر استهداف الأطباء والممرضين والمسعفين وسيارات الإسعاف ما لم يثبت قيامهم بأعمال تخرج عن نطاق مهامهم الإنسانية. وأشار إلى أن على الجيش الإسرائيلي توجيه تحذير بوقف هذا الاستخدام قبل استهداف المراكز أو السيارات.

منذ بداية الحرب، أحصت وزارة الصحة 53 هجوما على الجمعيات الإسعافية و13 على مراكز طبية وإسعافية و30 آلية وخمسة مستشفيات. قيس أكد أن منظمته وثقت في 2024 "هجمات متكررة على سيارات إسعاف ومراكز للدفاع المدني ومستشفى؛ ما أدى إلى مقتل عاملين في المجال الطبي، وهي أفعال ترقى إلى جرائم حرب".

المسعف ناصر عجرم أعرب عن قلقه البالغ إزاء استهداف المراكز الطبية، قائلا: "أول أمس ضربوا مركزا، قتلوا أطباء وممرضين... لم يعد هناك محرمات". وأضاف: "هذا مسعف، ينبغي أن تفتح الطريق له وتؤمن له الحماية، لكن يبدو أن لا حماية الآن".

في ختام هذه المأساة، تبقى جندارك تعيش وقع الخسارة، بينما يسأل طفلها عن موعد عودة والده، تاركا وراءه إرثا من الإنسانية والتفاني في خدمة الآخرين.