ولي العهد السعودي يعيد تشكيل توازنات المنطقة في ذكرى البيعة

يشهد الشرق الأوسط حالة من التحولات الاستراتيجية، حيث تتصاعد الصراعات وتتغير التوازنات وتتعدد الأزمات، بالإضافة إلى التحولات في أسواق الطاقة. هذا الوضع ليس وليد اللحظة، فلطالما شهدت المنطقة أزمات وحروب وصراعات متتالية، يصاحبها تغير في المحاور والأدوار وتبدل في العناوين وتوسع في ساحات الصراع.

في ظل هذه الظروف، لا تكفي ردود الفعل الآنية، بل يتطلب الأمر قيادة استثنائية قادرة على صنع الفرق وعدم الاستسلام للواقع، بل إعادة تشكيل المنطقة وبناء توازناتها ونقلها من إدارة الأزمة إلى إدارة الاستقرار والتنمية. فالتنمية والاستقرار وجهان لعملة واحدة، فالاستقرار الخارجي دون تنمية داخلية هش، والتنمية دون استقرار إقليمي مهددة.

أكدت مصادر مطلعة أن رؤية 2030، التي وضعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، جمعت بين التنمية وضمانة الاستقرار. وأضافت المصادر أن التجارب الدولية أظهرت أن الاقتصادات الصاعدة تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة لجذب الاستثمار والاستدامة الاقتصادية، وهو ما جعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من معادلة التنمية الوطنية. ولهذا السبب، فإن رؤية المملكة 2030 لم تصمم كمشروع اقتصادي داخلي فقط، بل كإطار يعيد تعريف موقع المملكة في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد واللوجستيات والاستثمار.

أوضحت المصادر أن بيعة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ليست مناسبة رمزية فحسب، بل محطة لاستقراء نموذج قيادي أعاد تعريف دور المملكة العربية السعودية من دولة تتفاعل مع الإقليم إلى دولة تعيد تشكيل توازناته.

نموذج الحكم والإدارة

أشارت المصادر إلى أن قول ولي العهد "السعودية ستكون أعظم قصة نجاح في القرن الحادي والعشرين" لم يكن مجرد وعد لشعبه ورسالة لشعوب العالم، بل مدخل لفهم منهجيته في الحكم والإدارة. وأضافت أن هذه المنهجية تقوم على رؤية شاملة تضع فيها مؤسسات الدولة كل طاقاتها وأدواتها لتحقيق الأمن والازدهار بمنظور بعيد يراعي كل الاحتمالات. وتبرز فاعلية ونجاعة هذه الرؤى وبرامجها في أوقات الأزمات.

في الأزمة الحالية، ومع ترقب العالم لأسعار النفط التي تتجاوز المائة دولار، يحسن بنا أن نتوقف قليلاً عند محطات من رؤية الأمير محمد الشاملة في هذا الجانب. وقبل حوالي 10 أعوام، تحدث الأمير محمد ولأول مرة عن فكرة إدراج شركة أرامكو في السوق المالية، وهو الخبر الذي بدا صادماً لكثيرين ممن خلعوا على أرامكو هالة. وظنوا أن البترول جزء من دستور الدولة الذي لا يمس. ولكن أدرجت أرامكو، وتحقق من اكتتابها فائض سيولة نقدية، وأخرج الإدراج بيانات الشركة من صندوقها الأسود في الظهران إلى شاشات الرصد والتحليل العالمية، فأصبح سهم الشركة مرجعاً رئيساً لاقتصاد العالم في فهم حالة قطاع الطاقة ونذيراً حياً لأي مغامرات غير مسؤولة للتأثير على سلامة إمداداته وفرصة للملايين من السعوديين وغيرهم للاستثمار في شركة الطاقة الأولى عالمياً.

ثم جاءت خطوة إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة واستثمار الفوائض النقدية من الإدراج وغيره في قطاعات جديدة محلية ودولية، لتبدأ البلاد رحلة التعافي من إدمان النفط التي طالت. وكان من بين أولويات الخطة نقل وتوطين التقنية في جانبها الدفاعي.

بين وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان أنه عرض على ولي العهد حقل الجافورة، الذي يعد أكبر حقل غاز غير تقليدي مكتشف في البلاد، مبيناً تكلفة تطويره العالية وأنه يحتاج أن يفكر فيه من منظور الدولة الاستراتيجي وليس من منظور الشركة التجاري، حيث سيوفر تطويره كميات هائلة من الغاز وسيزيد من قدرة المملكة التصديرية. فاستمع ولي العهد واتخذ القرار بالانطلاق في التطوير، وتم تصدير أول شحنة من سوائل الغاز والمكثفات من حقل الجافورة قبل أسابيع من توقف بعض منابع الغاز في الخليج العربي عن الإنتاج نتيجة للاعتداءات.

أكدت المصادر أنه قبل بضع سنين، مضت المملكة في مفاوضات مباشرة مع إيران برعاية صينية لخفض التوتر وإعادة بناء الثقة بين البلدين بعد سنوات من القطيعة. ولم يكن اختيار الصين إلا شاهداً آخر على الرؤية الشاملة لولي العهد، فهي دولة باتت من دول الشراكة الاستراتيجية مع المملكة وتستهلك حوالي 90 في المائة من نفط إيران، ويمثل إغلاق مضيق هرمز بالنسبة لها كابوساً اقتصادياً. وعندما وقعت الاعتداءات الأخيرة، لم تكن فقط انتهاكاً لأحكام القانون الدولي واستفزازاً لحليف المملكة الأول الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى، بل كانت هجوماً مسلحاً وانتهاكاً للسيادة وتقويضاً لاتفاق إعادة العلاقات الذي وقع برعاية وضمانات صينية.

أضافت المصادر أن التحول الرقمي الذي قاده ولي العهد أنشأ منظومة رقمية متكاملة تضمن ديمومة العمل الحكومي في أقصى الظروف صعوبة ووصول الحكومة للمواطن أينما كان بخدماتها وإشعاراتها. كما كان برنامج تطوير وزارة الدفاع شاهداً على رؤيته الاستشرافية البصيرة بأهمية تطوير القوى الدفاعية للدولة وتوطين تقنياتها المختلفة. وفي العلاقات الخارجية، كان دور الدبلوماسية السعودية فاعلاً ومؤثراً، وجاءت الاتفاقات الاستراتيجية مع أميركا تتويجاً لرؤية ولي العهد لتعيد صياغة مستقبل العلاقات بين البلدين.

منهجية الأزمات

تمر ذكرى بيعة ولي العهد هذا العام والمنطقة ملتهبة وسيناريوهات نهاية حرب إيران مفتوحة، إلا أن المؤكد أن السعودية مستمرة في تنفيذ رؤيتها وبناء قدراتها وحماية مصالحها وستتعامل مع هذه الأزمة بمنهجيتها التي أثبتت نجاحها عبر عقود. وكما في سابقاتها من الأزمات، أكدت الرياض أن إمكاناتها وقدراتها مسخرة دوماً للدفاع عن المبادئ الحقة وخدمة أشقائها في أزماتهم.

للإجابة عن التساؤل الذي يطرح عن المنهجية السعودية في إدارة الأزمات والمخاطر وما يرتبط بها من تخطيط مسبق قائم على البناء المؤسسي المدروس، فمنذ عقود وحتى الوقت الحاضر تم إنشاء عدد من المجالس والأجهزة واللجان ذات الصلة بإدارة المخاطر والطوارئ، وما زال بعضها يمارس مهامه واختصاصاته.

في خطوة استباقية لافتة، صدر في عام 2024 نظام الطوارئ الذي تضمن تشكيل المجلس الأعلى للطوارئ برئاسة الملك، كما أنشئت الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ، وهي الجهة المختصة والمرجع الرئيس في السعودية فيما يتعلق بشؤون إدارة الطوارئ، وتهدف إلى تنسيق أدوار ومسؤوليات الجهات ذات العلاقة وتعزيز قدراتها للحد من مخاطر الطوارئ وآثارها من خلال التخطيط والرصد والتأهب والاستجابة لها.

تعمل الهيئة الآن على إعداد الاستراتيجية الوطنية لإدارة الطوارئ، التي يتوقع أن تحدد أدوار ومسؤوليات جميع المجالس والأجهزة واللجان ذات الصلة بمنظومة المخاطر والطوارئ.

أكدت المصادر أن جهود التحوط من الأزمات والحروب قد بدأت منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز بمد جسور التواصل والرصد الدقيق للتطورات العالمية وتأمين الاحتياجات اللازمة لمناطق الدولة المترامية، ثم التوسع في البنى التحتية من طرق ومطارات وموانٍ وشبكات وخدمات، وبعد ذلك برنامج الخزن الاستراتيجي للنفط والسلع الأساسية وبناء أنبوب شرق غرب وغيرها الكثير من منجزات التنمية السعودية عبر عهود ملوكها المتعاقبة وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مما يؤكد الرؤية الممتدة لقادة السعودية واستشرافهم للمستقبل. إلا أن ولي العهد، وبتوجيه من الملك سلمان، قد جاء برؤية أعادت تعريف دور السعودية في العالم وأعادت تشكيل توازنات المنطقة وبنت لبنات جديدة راسخة في بنيان الدولة السعودية.