ماكرون يحث حزب الله على وقف التصعيد ويطالب إسرائيل بوقف الضربات

تراقب باريس بقلق بالغ التصعيد الجاري على الجبهة اللبنانية، وما يترتب عليه من دمار وضحايا ونزوح، ورغم الجهود التي يبذلها الرئيس الفرنسي ودبلوماسيته، لم تنجح حتى الآن في وقف التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، وذلك على الرغم من الاتصالات المكثفة التي يجريها ماكرون مع مختلف الأطراف المعنية، بدءا بالسلطات اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة، وصولا إلى إيران والعديد من القادة العرب، وذلك في محاولة لمنع انزلاق لبنان نحو الانهيار.

وفي تغريدة نشرها ماكرون على منصة إكس، كشف عن اتصالات جديدة أجراها مع المسؤولين اللبنانيين، ليطرح مجددا رؤيته لكيفية وضع حد للتصعيد، مؤكدا على وجوب بذل كل ما يلزم لمنع لبنان من الانزلاق إلى الفوضى، ودعا حزب الله إلى أن يوقف فورا ما وصفه بالهروب إلى الأمام، كما دعا إسرائيل إلى التخلي عن شن هجوم واسع النطاق ووقف ضرباتها المكثفة، خاصة في ظل نزوح مئات الآلاف من الأشخاص جراء القصف.

أضاف ماكرون أن السلطة التنفيذية اللبنانية أبدت استعدادها لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، وأنه يجب أن تكون جميع مكونات البلاد ممثلة فيها، مطالبا إسرائيل باغتنام هذه الفرصة لبدء محادثات والتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإيجاد حل دائم، بما يتيح للسلطات اللبنانية تنفيذ التزاماتها لصالح سيادة لبنان، وعرض ماكرون مساهمة فرنسية لتسهيل المحادثات اللبنانية الإسرائيلية من خلال استضافتها في باريس.

أفادت مصادر مطلعة أن فرنسا حصلت على موافقة أميركية لتكون جزءا من المفاوضات المرتقبة في حال حصولها، ما يعكس رغبة من جانبها في حماية لبنان المتمسك بالمشاركة الفرنسية التي طلبها مباشرة من باريس، ووفقا للمصادر، فإن فرنسا حصلت على وعد إسرائيلي بالامتناع عن توسيع دائرة المعارك والقيام بهجوم بري، لكنها لم تحصل بعد على موافقة إسرائيلية على مشاركتها، والانطباع السائد في العاصمة الفرنسية هو أن فرنسا وحدها تبدو مهتمة بالوضع اللبناني، وأنها تسعى لمساعدته عن طريق دبلوماسية التأثير وطرح الحلول.

ترى باريس أن طريق خفض التصعيد يمر عبر ثلاث خطوات رئيسية، الأولى تتعلق بحزب الله، والذي يتعين عليه التوقف عن مهاجمة إسرائيل بصواريخه ومسيراته، والخطوة الثانية تكمن في أن تقبل إسرائيل إلحاح باريس التي تدعوها للامتناع عن القيام باجتياح أرضي لمناطق في الجنوب اللبناني ووضع حد لعمليات القصف والتدمير التي تقوم بها، أما الخطوة الثالثة فتتمثل في دعوة الحكومة اللبنانية إلى الإقدام وقيام الجيش اللبناني بفرض سيطرته التدريجية على المناطق التي تقع راهنا تحت سيطرة حزب الله، وتعترف باريس بأن عملا كهذا ليس أمرا سهلا، ولكنه ضروري وحيوي من أجل تمكينها من الحصول على ورقة يمكن الضغط بها على إسرائيل التي لا تستجيب حتى اليوم للنداءات الموجهة إليها.

لأجل تحقيق هذا الغرض، تبدو باريس مستعدة لمزيد من دعم الجيش اللبناني من غير انتظار المؤتمر الذي كان مقررا عقده الشهر الماضي، وتذكر باريس بأن قوة اليونيفيل التي تساهم فيها منذ عام 1978 سوف تنسحب من لبنان هذا العام، وبالتالي يتعين على السلطات أن تنظر فيما سيحصل في اليوم التالي، وبنظرها، فإن انتشار الجيش التدريجي بدءا من المناطق حيث يسهل انتشاره إلى المناطق الأكثر صعوبة يعد أمرا لا مفر منه، ويتعين على السلطات اللبنانية أن تبتدع الحلول.

ترى باريس أن عملية حصر السلاح يجب أن تمر عبر السلطات اللبنانية بدل أن تقوم إسرائيل بذلك، وتذكر بأن ملف السلاح مطروح منذ عام 1990، وقد تضمنته كافة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن منذ ذلك التاريخ، ولا تخفي فرنسا خيبتها من تعطيل الآلية الخماسية، وهي تعزو ذلك لانسحاب الضابط الأميركي الذي كان يرأسها، وترفض الخوض في الجدل الذي أثير حول قائد الجيش العماد هيكل، لكنها تتفهم صعوبة المواقف والقرارات التي يتعين عليه اتخاذها.

تعي باريس أن تحقيق ما تدعو إليه ليس بالأمر السهل، وهي لا تريد بأي حال قيام مواجهة عسكرية بين الجيش اللبناني وحزب الله، من شأنها أن تفجر الوضع اللبناني، ولكن ثمة ما يمكن القيام به من أجل مساعدة الجيش اللبناني وتعزيز ذراع الشرعية الضاربة، بحيث يميل ميزان القوى لصالحها، ما سيمكنها من السيطرة التدريجية والمنظمة على الأرض.

تذكر باريس بأنها حصلت على تعهدات من دول عدة بينها السعودية والإمارات وقطر لدعم الجيش اللبناني بأسرع وقت، إلا أنها تعي أيضا أنها لا تملك الأوراق الضرورية للتأثير جذريا على مجريات الأمور، وإذا كانت لا تتردد في اعتبار أن إسرائيل تتصرف في لبنان بعيدا عما تنص عليه القوانين الدولية، فإنها ترى بالمقابل أن حزب الله يتصرف كحركة إرهابية، وأنه مسؤول عن الحرب الدائرة حاليا لأنه هو من بدأها ولأنه كان يعي مسبقا طبيعة الرد الإسرائيلي، وتعرف فرنسا أنها لا يمكنها أن تكون فقط صديقة للبنان، ولكن يتعين عليها أن تأخذ مطالب إسرائيل بعين الاعتبار حتى تكون مقبولة منها وقادرة على التأثير عليها.

في موضوع السلاح، تفضل باريس وبكلام مبسط أن يعمد حزب الله إلى تسليم سلاحه للجيش اللبناني بدل أن تقوم إسرائيل بذلك وما يستتبعه من ضحايا ودمار.

تنظر باريس بارتياح لما أقدم عليه الرئيس جوزيف عون بطرح مبادرته لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وترى أن هذه الخطوة هي ما يتعين على لبنان القيام به اليوم إذ لا حل آخر غيره، ولم يكشف عما دار في الاتصال الهاتفي بين ماكرون وبري الذي يبدو أنه يعارض انطلاق المفاوضات حسبما نقل عنه، إلا أنها تعتبر أن الأخير قام بخطوات سياسية ما كان ليقدم عليها سابقا، كذلك تثمن باريس التواصل المباشر بين عون والرئيس السوري أحمد الشرع بخصوص ضبط الحدود بين البلدين وتعد ذلك تثبيتا للشرعية اللبنانية.

ما زالت باريس تطرح مساهمتها لحل الإشكالات الحدودية بين بيروت ودمشق معتبرة أن مصلحة البلدين تكمن في تنقية علاقاتهما وتطبيعها بعيدا عما كانت عليه في العقود السابقة.