مواجهة التزييف: كيف تميز الحقائق من التضليل في زمن الحروب؟

مع تصاعد الأحداث في مناطق مختلفة، يتدفق سيل من المعلومات بسرعة كبيرة، وغالبًا ما تكون منصات التواصل الاجتماعي هي البوابة الأولى لظهور الصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالهجمات والتطورات العسكرية، ولكن بالتوازي مع ذلك، تنتشر موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك على الإنترنت، مما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف تحديًا كبيرًا.

أكد خبراء الأمن السيبراني أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، خاصة عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق، يمثل تحديًا رقميًا متزايدًا في أوقات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

وقال ماهر يموت، الباحث الأمني الرئيسي في شركة كاسبرسكي، إن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يكتسب أهمية خاصة خلال حالات الطوارئ، حيث تزداد حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة دون التحقق منه.

أضاف يموت أنه مع تطورات الأوضاع، حذرت جهات حكومية من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة، مبينا أن الأخبار الزائفة تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ.

أوضح خبراء أن الأخبار الزائفة ليست ظاهرة جديدة، لكن حجم انتشارها وسرعتها تغيرا بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي، ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

صنف الخبراء الأخبار الزائفة إلى فئتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب الزيارات، أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، ولكنها تُعرض بشكل غير دقيق، مؤكدين أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات.

حذرت السلطات في عدة دول من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات.

أشار الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي أدخل بعدًا جديدًا إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال تقنيات التزييف العميق، وهي مقاطع فيديو مفبركة تنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي، وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثًا لم تقع أصلًا.

صرح يموت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق، مضيفا أن الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثًا أو أفعالًا لم تحدث في الواقع، وغالبًا بنتائج واقعية للغاية.

أكد الخبراء أن هذه التقنيات تجعل مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصًا عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفيًا، موضحين أنه حتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقًا، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

شدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دورًا أساسيًا في الحد من انتشار المعلومات المضللة، فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أوضح الخبراء أن أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر، والتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة، والتحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر، ومقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى، والتحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، والاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

أشار الخبراء إلى أن كثيرًا من الأخبار الزائفة يعتمد على إثارة المشاعر، ويقول يموت إن كثيرًا من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية، مضيفا أن الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة.

أكد الخبراء أنه يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل، فرغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائمًا سهلاً، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات يتطلب تعاونًا بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم، ويلفت يموت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه، مؤكدا أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

أوضح الخبراء أنه مع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية، ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط، بل أيضًا بحماية مصداقية المعلومات نفسها.