سوريا تواجه موجة غلاء معيشة حادة بسبب الحرب والتوترات الإقليمية
أظهرت تقارير حديثة أن الأسواق السورية تشهد ارتفاعا ملحوظا في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية الأساسية، وذلك في ظل معاناة السكان من ضعف القدرة الشرائية. وأشارت التقارير إلى أن هذه الارتفاعات جاءت بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.
في دمشق، بدت آثار التصعيد واضحة على أسعار المواد الغذائية الأساسية. وقال مازن بيرقدار، وهو متقاعد من القطاع العام، إن تأثير الحرب طال جميع السلع، بما في ذلك الغذاء والغاز المنزلي والمازوت. وأضاف أن القدرة الشرائية للمواطنين تتراجع بشكل ملحوظ، مما يزيد الأوضاع الاقتصادية سوءا.
وخلال جولة ميدانية، رصدت تقارير إخبارية ارتفاعا متفاوتا في أسعار السلع. وأوضح عماد الدين علايا، وهو تاجر مواد غذائية في سوق سريجة بدمشق، أن الزيادة تراوحت بين 10% و50% منذ بداية الحرب. وأشار إلى أن سعر كيلو الدجاج ارتفع في بعض المناطق، وكذلك سعر كيلو لحم الخاروف والطماطم والكوسا.
ويرى علايا أن هذه القفزات لا ترتبط بالاحتكار أو نقص المعروض، بل بالوضع السياسي العام في المنطقة. بينما قدم عدنان جناب، وهو تاجر في سوق الميدان بدمشق، تفسيرا إضافيا، مبينا أن زيادة تصدير بعض المحاصيل والبضائع المحلية خفضت الكميات المتاحة في السوق المحلية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن.
من جهة أخرى، أوضح الموظف المتقاعد علي محفوظ أن الأزمة امتدت إلى نقص في مواد أساسية، مثل الغاز المنزلي، مما ضاعف المتاعب اليومية للأسر. وأضاف أن إعداد وجبة غداء بسيطة بات يحتاج إلى مبلغ كبير، مشيرا إلى أن حتى بعض النباتات البرية التي كانت تعد خيارا رخيصا ارتفع سعرها.
وقالت سمر منذر إن الارتفاعات الحالية تعيد إلى الأذهان موجات الغلاء التي تتكرر عادة مع اقتراب شهر رمضان، لكن وقعها هذه المرة أشد بسبب الحرب وتآكل الدخول. وأضافت أن كثيرا من الأطباق التقليدية التي اعتادت العائلات الدمشقية إعدادها باتت خارج متناول عدد واسع من الأسر.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي إبراهيم قوشجي إن سوريا ليست بمنأى عن التوترات الإقليمية، وإن البلاد دخلت تحت تأثير مباشر لصراع يتوسع بين قوى إقليمية ودولية، مما انعكس بسرعة على الأسواق والمعيشة. وأوضح أن حالة من ارتباك الأسعار سادت السوق منذ بداية التصعيد، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع المعروض من بعض السلع، مشيرا إلى أن الزيادات في عدد من القطاعات الحيوية تراوحت بين 20% و40%.
وحذر قوشجي من أن المخاطر لا تقتصر على الأثر الفوري، بل تمتد إلى المدى المتوسط مع احتمال تعطل سلاسل التوريد بسبب تأثر الموانئ وطرق التجارة البرية. وأضاف أنه في حال استمرار التوتر، فإنه يرجح أن تتفاقم المخاطر على الاستثمار ورؤوس الأموال، بما يفتح الباب أمام ركود تضخمي طويل الأمد وهجرة إضافية للكفاءات.
وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، أشار قوشجي إلى أن الجهود المبذولة لرفع إنتاج القمح المحلي توفر هامشا من الحماية، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد لتغطية الطلب. وأضاف أن المخزونات الحالية تمنح البلاد حماية مؤقتة لأشهر معدودة فقط. أما في قطاع الطاقة، فيشير إلى أن الإنتاج المحلي يقل عن الحاجة الفعلية، مما يبقي سوريا معتمدة بدرجة كبيرة على الواردات.
وخلص قوشجي إلى أن الاقتصاد السوري يعيش اليوم مرحلة إدارة أزمات أكثر من كونه في مسار تعاف، فيما يظل تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي مرهونا بتهدئة سياسية أوسع في المنطقة.