القوة القاهرة تلوح في افق اسواق الطاقة مع تصاعد التوترات
تعتبر القوة القاهرة مصطلحا قانونيا مهما في التجارة الدولية، يشير الى ظرف طارئ وغير متوقع يعفي اطراف العقود من تنفيذ التزاماتهم دون تحمل غرامات. هذا المفهوم، الذي ظهر في القرن التاسع عشر، يحمي الشركات من المسؤولية في حال وقوع احداث خارجة عن ارادتها.
في تطورات حديثة، اعلنت عدة شركات طاقة خليجية تفعيل حالة القوة القاهرة، وذلك عقب اندلاع الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية في 28 فبراير 2026، نتيجة لاستهداف المرافق التشغيلية وارتفاع المخاطر الامنية.
يستخدم بند القوة القاهرة في العقود التجارية، خاصة في عقود توريد النفط والغاز طويلة الاجل، لحماية الاطراف من المسؤولية القانونية في حال تعذر تنفيذ الالتزامات بسبب ظروف قاهرة. هذه الظروف تشمل الحروب والكوارث الطبيعية والاضطرابات الكبرى.
عند تفعيل هذا البند، يعلق تنفيذ المسؤوليات مؤقتا دون تحميل الطرف اي غرامات مالية، مع امكانية تاجيل مواعيد التسليم او تخفيض الكميات المتفق عليها. تلعب المنظمات الدولية دورا في تحديد معايير تفعيل هذا البند، مثل غرفة التجارة الدولية واتفاقية الامم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
يشترط لتفعيل القوة القاهرة قانونيا توافر ثلاثة معايير اساسية، ان يكون الحدث خارج سيطرة الطرف المتعاقد، غير متوقع، ويؤدي الى استحالة تنفيذ الالتزامات. تعود جذور مفهوم القوة القاهرة الى القانون الروماني، حيث استخدم تعبير "فيس مايور" للدلالة على فعل الهي او قوة لا يمكن مقاومتها.
تطور المصطلح في القانون المدني الفرنسي وتم توثيقه في قانون نابليون، ليشمل الاحداث المفاجئة الخارجة عن سيطرة الانسان. من ابرز المحطات التي تم فيها تفعيل القوة القاهرة جائحة كوفيد-19، حيث لجأت العديد من الشركات الى اعلان القوة القاهرة للاعفاء من الالتزامات او تاجيل المواعيد.
قامت بعض الدول، مثل الصين، باصدار "شهادات القوة القاهرة" للشركات المتضررة، لحمايتها من المسؤوليات القانونية. اصدرت غرفة التجارة الدولية عام 2020 نسختين من بنود القوة القاهرة لتحديد تعريف واضح للقوة القاهرة وللطرف المتضرر.
في سياق اخر، اعلنت الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب حالة القوة القاهرة على كامل قطاع النفط في اغسطس 2024، ردا على محاولة اللجنة المكلفة من المجلس الرئاسي دخول مقر مصرف ليبيا المركزي. وبالتوازي، اعلنت مؤسسة النفط الليبية حالة القوة القاهرة في حقل "الفيل" النفطي.
وفي السودان، اعلنت الخرطوم حالة القوة القاهرة بعد توقف خط الانابيب الرئيسي الذي ينقل النفط من جنوب السودان في مارس 2024، واستمر التفعيل حتى يناير 2025. في تطورات اخرى، توالت اعلانات حالة القوة القاهرة من شركات الطاقة الخليجية بعد اندلاع الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية في 28 فبراير 2026.
اعلنت قطر للطاقة تفعيل حالة القوة القاهرة بعد وقف انتاج الغاز الطبيعي المسال نتيجة هجوم عسكري. تبع ذلك اعلان مؤسسة البترول الكويتية حالة القوة القاهرة على مبيعات النفط الخام بسبب التوترات في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، واعلنت شركة بابكو انرجيز البحرينية حالة القوة القاهرة عقب هجوم استهدف مجمع تكرير النفط التابع لها.
تلعب القوة القاهرة دورا رئيسيا في حماية شركات الطاقة والدول المصدرة للنفط، ويشكل تفعيلها مؤشرا اقتصاديا هاما. بعد اعلان قطر للطاقة تفعيل القوة القاهرة، سجلت اسعار الغاز الطبيعي المسال في اسيا ارتفاعا يقارب 40%، وارتفعت اسعار الغاز في اوروبا باكثر من 30%.
حذر وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري من انه في حال اعلان جميع الدول المصدرة للطاقة في الخليج تفعيل القوة القاهرة، قد ترتفع اسعار النفط الى نحو 150 دولارا للبرميل، مما يؤثر على الاقتصاد العالمي.