رمضان في هرر: مدينة المساجد والتراث الاسلامي العريق
في قلب شرق إثيوبيا، خلف أسوار مدينة هرر العتيقة، يتنفس الزائر عبق التاريخ الإسلامي، حيث تلتقي الأنفاس في أجواء من التصوف والجمال. تعتبر هرر، التي يصفها سكانها بـ "رابع أقدس مدينة في الإسلام"، حالة صوفية تتجسد في كل زاوية وركن.
مع إطلالة هلال رمضان، تكتسي هرر حلة من النور، وتصدح المدينة بالمدائح النبوية. وتمتزج اللغتان العربية والهررية في ترانيم عذبة تنطلق من المساجد والأزقة، معلنة بداية شهر الصيام.
المسجد الجامع، الأكبر بين مساجد المدينة التي تحتضن أكثر من 82 مسجدا، يتحول خلال صلاة التراويح إلى مشهد إيماني مهيب. وتتردد الأصوات بلكنة حبشية، تعيد إلى الأذهان صوت بلال بن رباح، مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما تضيء المصابيح ممرات المدينة الضيقة.
الباحث في تاريخ هرر، معروف محمد، أوضح أن من أبرز عادات المجتمع الهرري عند قرب حلول شهر رمضان هو تبادل الزيارات بين الأقارب والجيران، حيث يتصافح الناس ويتسامحون قبل بداية الشهر الفضيل.
رمضان في هرر يمثل فرصة لتجديد العلاقات وتعزيز الروابط الاجتماعية. ويسعى السكان إلى حل الخلافات، ومساعدة المحتاجين، والإكثار من الصدقات، مما يعزز روح المحبة والتكافل في هذا الشهر الكريم.
تلقب هرر بـ "مدينة الأبواب الخمسة"، وقد حولها إرثها التاريخي إلى "مختبر حي" لتلاقي الحضارات. ويتحول فيها شهر رمضان إلى تجربة حسية فريدة تمزج بين أصالة القرن الأفريقي وروحانيات الشرق الإسلامي.
تبدأ استعدادات مائدة الإفطار في هرر قبل الأذان بساعات، حيث تعبق البيوت بروائح العود والبخور الفاخرة. وتعتبر الشوربة الهررية، المصنوعة من الشعير المطحون يدويا مع مرقة لحم الضأن وتوابل البربري، الطبق الرئيسي. بالإضافة إلى التمر والسمبوسة الهررية، التي تتميز بدقة عجينتها وحشوتها الغنية باللحم المفروم والبصل الأخضر، ومزيج من الحبوب والحليب والسمن لتحقيق توازن بين الملوحة والحلاوة.
وتستمر طقوس القهوة مع اللقيمات والمشبك وجلسات الذكر باللغة الهررية القديمة، وصولا إلى وجبة السحور التي تعتمد على اللحوح الخفيف (نوع من الفطائر) مع العسل.
جميلة عبد الله، مديرة البيت الهرري، بينت أن استقبال شهر رمضان في هرر يرتبط بعادات اجتماعية وثقافية متوارثة، حيث يبدأ الاستعداد بتنظيف الجسد عبر شرب بعض الأعشاب التقليدية التي تنظف المعدة، ثم تنظيف البيوت وترميمها، بما في ذلك غسل الجدران وإصلاح الأرضيات بالتراب الأحمر، كرمز للاستعداد المعنوي والمادي للشهر الكريم.
وأضافت جميلة أن العائلات الهررية تحضر أطعمة رمضانية تقليدية مثل الشوربة المصنوعة من الحبوب، إلى جانب المقليات مثل السمبوسة والباجية.
وتجمع المائدة أفراد الأسرة عند أذان المغرب، ويبدأ الإفطار بالشوربة والمقليات قبل أن يتوجه الرجال إلى المساجد لأداء صلاتي العشاء والتراويح. فيما يقدم بعد عودتهم الطبق الرئيسي الذي غالبا ما يكون المرق مع اللحوح في أجواء عائلية تعكس روح التكافل والترابط.
يشارك الأطفال في أجواء رمضان من خلال التجول في الحارات وزيارة الجيران، في تقليد اجتماعي يشجعهم على تعلم الصيام تدريجيا منذ سن مبكرة.
تحيط بالمدينة القديمة أسوار جغول، التي شيدها الأمير نور بن مجاهد في القرن السادس عشر لتكون درعا لحماية هذه الجوهرة الإسلامية ومركزا لإشعاع العلم في القرن الأفريقي.
ولكل بوابة من بوابات المدينة الخمس حكايات ودلالات، فمن شوا إلى بوداوا ومن سوبري وإيرير إلى أروباري، تفتح هذه المداخل ذراعيها للقوافل والذاكرين، في رمزية جغرافية وتاريخية فريدة تربط المدينة بالعالم الخارجي.
أزقة المدينة، التي لا تخلو من بعض المتاهات، صممت لتكون ضيقة ومتعرجة بذكاء فطري، فهي تكسر حدة الرياح الجبلية وتعمل بمثابة نظام دفاعي يجعل الغريب يتوه في سحرها، بينما يقود ابن المدينة قلبه نحو المركز حيث تلتقي الدروب وسط عمران لا تخلو فيه زاوية أو انحناءة في الطريق من مدرسة أو خلوة للقرآن، مما جعل التخطيط العمراني لهرر يدور في فلك مقدس وكأن المدينة كلها مسجد كبير يسبح بحمد الله.
الباحث في التراث الهرري، زاهد زيدان، بين أن مدينة هرر تعد من أقدم المدن الإسلامية في شرق أفريقيا، إذ تأسست قبل أكثر من ألف عام. وتمثل نموذجا فريدا يجمع بين الحداثة والتقاليد الإسلامية، بنيت على الطراز الإسلامي التقليدي المستوحى من مدن مثل بغداد والأندلس وغيرها من المدن الإسلامية العريقة، وتضم هرر الحديثة وهرر القديمة المعروفة باسم مدينة جغول.
المدينة محاطة بسور ضخم شيد في القرن الخامس عشر في عهد الأمير نور بن مجاهد بمشاركة حفظة القرآن الكريم، واستخدمت فيه حجارة من الأنهار المحيطة، فيما ترمز أبواب المدينة الخمسة إلى أركان الإسلام، كما تضم البيوت من الداخل جلسات وأخشابا تمثل أسماء الله الحسنى، مما يعكس عمق الارتباط بين العمارة والروحانية الإسلامية.
المرأة وبيتها المنسوج من التراث الهرري يمثلان رقي هذه الحضارة والتفافها حول نسيجها الاجتماعي، فالبناء ليس مجرد جدران، بل هو نظام اجتماعي ورمزي معقد، إذ يقسم البيت الهرري من الداخل إلى مستويات متدرجة في الشكل والمضمون.
تنقسم منصات الجلوس إلى خمسة مستويات متفاوتة الارتفاع ترمز بدقة لأركان الإسلام الخمسة، وتحدد مكانة الجلوس حسب السن والمقام، مما يعكس احترام التراتبية الاجتماعية والروحية.
وتزدان الجدران بالسلال الملونة والأطباق الخزفية التي لا تستخدم للطعام فحسب، بل تشي بوجاهة العائلة وترمز لهويتها العريقة، فلكل طبق قصة ومناسبة في بيت يطغى على تصميمه الخشب المحفور يدويا والمنسوجات الحريرية الزاهية، في تمازج بصري يجمع بين فنون الشرق الهندي والجزيرة العربية وأفريقيا السمراء، مما يجعل البيت متحفا مصغرا للجمال.
متاحف هرر، وعلى رأسها متحف عبد الله شريف ومتحف آرثر رامبو، حراس لذاكرة المدينة، بينما تشكل القهوة الهررية ركنا أساسيا في ثقافة الجلوس والضيافة، إذ تضم المتاحف مخطوطات قرآنية نادرة كتبت بأيدي خطاطين هرريين بماء الذهب قبل قرون، بجانب عملات قديمة وأسلحة تحكي قصة سيادة المدينة.
في بلدة لا تكتمل طقوسها إلا باحتساء القهوة، إذ لا يكتمل يوم الهرري دون رائحة البن المحمص الذي يرافقه البخور في جلسات تمتد ساعات تروى فيها القصص وتعقد الصفقات وتحل النزاعات.
المرأة، التي تمثل العمود الفقري لهذه المدينة، تصون التراث اليدوي وتدير شؤون البيت بدقة فائقة، مبدعة في الأناقة التقليدية وبإبراز العروس الهررية بأزيائها الملونة التي تتداخل فيها خيوط الحرير والذهب مع الحلي الفضية التي تتوارثها الأجيال.
في واحدة من أغرب الظواهر العالمية تتجلى في هرر علاقة سحرية بين الإنسان والحيوان، فعند الليل ينادي رجل الضباع على هذه المفترسات بأسمائها عند أسوار المدينة ليطعمها اللحم بيده، بل وبفمه أحيانا.
في هذه الحالة، التي لا توجد إلا في هذه المدينة، لا يرى الهرريون في الضبع عدوا، بل جارا يحمي المدينة من الأرواح والنفايات، في طقس يعكس فلسفة التعايش مع الطبيعة مهما كانت قسوتها.
اليوم تقف هرر، المسجلة في قائمة التراث العالمي التي تشرف عليها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، في مواجهة تحدي الزمن، وبينما تزحف المباني الحديثة والخرسانة خارج السور، يصر أهل جغول على البقاء داخل أسوارهم متمسكين بنمط حياتهم الذي لم يتغير منذ قرون، كأنهم يحرسون آخر قلاع الروحانية في القارة.
هرر هي المدينة التي تفرض عليك إيقاعها الهادئ، فلا مكان للسرعة هنا، إنها دعوة مفتوحة لكل باحث عن الترويح والجمال ليسير فوق حجارتها الملساء ويستمع إلى صدى التاريخ الذي يهمس في أذن كل عابر هنا.