طقوس رمضان في الصومال: السمبوسة وسبع سون تحافظان على التراث

تزخر الصومال بعادات رمضانية فريدة تميزها عن غيرها من الدول، ورغم التحديات التي فرضتها طبيعة الحياة اليومية والوضع الأمني المضطرب على مدى عقود، حافظ المجتمع الصومالي على خصوصيته وتمسكه بممارسات سلوكية واجتماعية ذات أثر وجداني عميق. هذه الممارسات تتجاوز في رسوخها هشاشة الظروف المحيطة، وتبرز روح التحدي والوفاء للموروث الشعبي في مظاهر متنوعة، من طقوس المائدة إلى مدارسات القرآن ومبادرات التضامن الاجتماعي.

مع حلول شهر رمضان وثبوت رؤية الهلال، تغلق المطاعم الكبيرة والمطابخ الشهيرة أبوابها، وهي عادة رمضانية درج عليها الصوماليون. في المقابل، تنتعش المقاهي الصغيرة موسميا مستغلة هذا الوضع، ويقول ماهر، وهو نادل في أحد مطاعم مقديشو، إنه يعتبر رمضان "إجازة العام" لاستغلال نفحات الشهر الفضيل وقضاء وقت ممتع مع أسرته، كما يستعد نفسيا للعودة إلى العمل بروح وحيوية أكبر.

أما ملاك المطاعم، فإنهم يستفيدون من هذا الشهر في إعادة ترميم المرافق وتجهيزها للعمل طوال 11 شهرا متواصلة، ومنح إجازة للموظفين للتركيز على حياتهم الخاصة وتعزيز استفادتهم من بركات الموسم المبارك.

تعد السمبوسة سيدة المائدة الرمضانية في الصومال بلا منازع، إذ تحتل مكانة متقدمة لدى الصوماليين في مائدة الإفطار ويتم إنتاجها كل حسب قدراته المادية، وتكثر في رمضان طلبيات السمبوسة وتلقى رواجا كبيرا، حيث يجري إعدادها بتجهيز غلاف مثلث مصنوع من العجين يحشى باللحم أو السمك أو الدجاج المفروم أو حتى الخضروات والبطاطس الطازجة مع بهارات خاصة.

ويقول عبد الرحمن بشير، مالك أحد المحلات، إن رمضان هو الفترة الأكثر ازدحاما بالنسبة لهم، حيث تزداد المبيعات بأكثر من 200% مقارنة ببقية أشهر السنة، إذ يرتفع الطلب على السمبوسة ذات الجودة العالية المناسبة للإفطار، وهي أول ما يفضل الناس البدء به بعد التمر مباشرة.

يعد حليب النوق مادة أساسية عند الصوماليين، لكن في رمضان تزداد الطلبات عليه بشكل ملحوظ، وترتفع أسعار أنواع الحليب المختلفة وخاصة حليب النوق، إذ لا تستطيع مزارع تربية الإبل في ضواحي مقديشو تلبية كامل احتياجات السوق خلال الشهر، ويلجأ كثير من كبار السن إلى شربه لتعزيز جودة الغذاء والحصول على فوائده الصحية.

يشجع الأطباء المرضى الذين يعانون من مشاكل في الهضم على تناوله، كما يساعد البعض على تقليل مقاومة الأنسولين، وهو مادة غذائية طبيعية غنية بالبروتين والدهون الصحية.

تعد "السور" من الأكلات الشعبية الوطنية التقليدية في الصومال، وهي أكلة قديمة في حياة الريف قبل سيطرة الأرز والأكلات السريعة على النمط الغذائي، وتتجدد قيمتها في كل رمضان، وتصنع هذه الأكلة من الذرة المطحونة أو الدقيق وتقدم مع السمن أو اللبن أو اللحم والمرق.

تحتل "السور" مكانة خاصة في رمضان، إذ تعد وجبة السحور الأكثر شيوعا عند الصوماليين، وذلك بسبب سهولة إعدادها في ظل ضيق الوقت الناجم عن الالتزامات الروحية والأجواء الإيمانية.

في رمضان تكثر موائد الإفطار الجماعية في الصومال، إلا أنها تحمل طابعا فئويا متنوعا، حيث تقيم كل شريحة من المجتمع تجربة إفطار خاصة بها كالشركات الكبيرة ومسؤولي الحكومة والنقابات المهنية.

وتزداد عادة افتراش الشوارع الكبيرة في مقديشو بموائد الإفطار، ويحضر الإفطار مختلف الفئات من مسؤولين حكوميين وممثلي قطاع الأعمال وشرائح المجتمع المدني.

في رمضان يعود أبناء الشتات إلى البلاد للتقرب من الأهل والأصدقاء، ويحرص بعضهم على توفيق إجازات عملهم وعطلاتهم السنوية مع موعد رمضان للالتقاء بالأقربين بعيدا عن ضغوط الغربة.

من أسباب هذه العودة قلة ساعات الصيام في الصومال مقارنة ببلدان أوروبا وأمريكا الشمالية، ولا تتجاوز ساعات الإمساك في الصومال ما بين 12 و13 ساعة، بينما يصل الصيام في بعض بلدان المغتربين إلى 18 أو 19 ساعة.

تكثر المسابقات القرآنية في عموم البلاد وعلى مستويات متعددة، حيث تعقد المدارس مسابقات لمنتسبيها، وتجري الولايات الفدرالية مسابقات في مناطقها، وأطلقت مسابقة قرآنية رئاسية لأول مرة في تاريخ الصومال برعاية رئاسة الجمهورية وتنظيم وزارة الأوقاف.

تتألف عادة "سبع سون" من كلمتين، الأولى "سبع" وهي عادة مراجعة القرآن عبر الجلوس في حلقات دائرية، وتعني أيضا تقسيم القرآن إلى سبعة أجزاء بأسماء أيام الأسبوع، وكلمة "سون" تعني بالصومالية الصيام، لذا فالمصطلح يشير إلى مدارسة القرآن الرمضانية.

يجتمع الحفاظ في فرق تطوف أحياء القرى يقرؤون القرآن معا (آية لكل فرد)، وتتولى الأسر تقديم الإفطار وعشاء فاخر بـ "ذبيحة خاصة" إكراما لهم، ويختمون الجزء الخاص بذلك اليوم في بيوت من وجهوا لهم الدعوة، وهي عادة رمضانية بامتياز.

تنتشر حملات إغاثة الملهوفين اقتداء بهدي الرسول الكريم محمد ﷺ الذي كان أجود ما يكون في هذا الشهر، ويتبنى الشباب ومؤسسات المجتمع المدني حملات إفطار للأسر النازحة في المخيمات، وحملات لشراء ملابس العيد للأطفال الفقراء، إذ يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر.

في السابق كانت أنشطة "المسحراتي" تحتل مكانة متقدمة، ولكن حاليا تبدأ حياة جديدة في مقديشو بعد صلاة التراويح، حيث تعود حركة الأسواق إلى ذروتها للتسوق بعيدا عن زحمة النهار، وتنبض المدينة بالحياة ويسهر الشباب في المقاهي والشوارع حتى السحر.

عزز التحسن الأمني وانتشار أماكن الترفيه تجربة الحياة الليلية، بينما تجتهد بعض الأسر في إحياء الليل بالصلاة والدعاء، وبشكل عام تقل حركة الناس نهارا، مما أدى إلى تراجع مهنة المسحراتي التي باتت تقتصر على بعض الأحياء العتيقة.

"جيروني" هو اسم صومالي يطلق على منافسات كرة القدم الرمضانية، حيث تنتشر مسابقات ينظمها الشباب الهواة في الأحياء والشوارع، وغالبا ما تُقام بين العصر والمغرب، وبدأت مؤخرا بعض الشركات والمؤسسات بتنظيمها بين موظفيها لإبقاء ثقافة الرياضة البدنية حية، وتعزيز الروابط الاجتماعية وتقوية روح التنافس والتسلية بين المشاركين.