صراع الشرق الاوسط يهدد التضخم الامريكي بتصاعد اسعار الطاقة

يواجه الاقتصاد الامريكي ما وصف ب "فجوة توقيت" حرجة تضع صناع السياسة النقدية في مأزق حقيقي، حيث تترقب الاسواق هذا الاسبوع تقارير اقتصادية تعكس صورة لما قبل اندلاع الحرب الاخيرة وتصاعد اسعار الطاقة. وتتجلى حدة هذه الازمة في التباين بين بيانات شهر يناير التي اشارت الى تضخم وبيانات فبراير التي اوحت بتباطؤ مرتقب، الامر الذي يخلق ارتباكا حول اي من هذه القراءات يعبر فعليا عن صحة الاقتصاد.

واضافت التقارير ان هذه الحيرة تتضاعف مع اندلاع الصراع الجيوسياسي الذي جعل ارقام فبراير تبدو وكأنها تنتمي لزمن مختلف، بينما تهدد صدمة امدادات النفط الحالية باعادة اشعال التضخم في مارس قبل ان يتمكن "الاحتياطي الفيدرالي" من استيعاب البيانات السابقة.

وفي سياق متصل، بينت مصادر اقتصادية ان هذا الترقب ياتي في اعقاب تقرير وظائف "مخيب للآمال" لشهر فبراير، حيث فقد الاقتصاد الامريكي بشكل مفاجئ عددا كبيرا من الوظائف، وارتفع معدل البطالة. واوضحت المصادر ان هذا التدهور في سوق العمل يضرب التصورات السابقة باستقرار التوظيف، ويضع صناع القرار في حيرة بين معالجة الركود المحتمل وبين كبح جماح التضخم الذي دخل مرحلة جديدة من عدم اليقين المطلق نتيجة العمليات العسكرية الجارية وتوقف الانتاج في عدد من مصافي النفط الاقليمية.

وكشفت التقارير انه من المنتظر ان يكشف تقرير مؤشر اسعار المستهلكين، المقرر صدوره قريبا، عن صورة "مخادعة" للاستقرار، حيث تشير التوقعات الى ارتفاع التضخم الاساسي بنسبة طفيفة فقط لشهر فبراير، وهو ما قد يوحي بانحسار ضغوط الاسعار قبل اندلاع الشرارة الاولى للحرب. ومع ذلك، تشير التحليلات العميقة الى وجود فجوة نادرة بين مؤشرات التضخم، فبينما يظهر مؤشر اسعار المستهلكين هدوءا، يتوقع ان يظهر مؤشر انفاق الاستهلاك الشخصي (PCE) -المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي- "عنادا" واضحا في قراءات يناير بنسبة ارتفاع تصل الى نسبة معينة، ليبقى المعدل السنوي ثابتا. ويعزو المحللون هذا التباين الى ثغرات احصائية وتوقعات ببيانات مفقودة تتعلق بقطاع الاسكان، مما يجعل الاسواق في حالة ارتباك حول اي المؤشرين يعكس الحقيقة الاقتصادية الراهنة.

واكد خبراء اقتصاديون ان تقرير مؤشر اسعار المستهلكين لشهر فبراير سيكون المحفز المقبل لرهانات السوق على معدل الفائدة الفيدرالية، خصوصا بعد ارقام الرواتب للشهر نفسه. واشاروا الى مفارقة فنية، فبينما يتوقع ان ياتي مؤشر انفاق الاستهلاك الشخصي الاساسي "ساخنا" لشهر يناير، فان الاسواق قد تعمد الى تجاهل او استبعاد هذه القراءة المرتفعة لصالح بيانات التضخم في فبراير الاكثر حداثة، اذا ما جاءت الاخيرة فاترة وباهتة كما هو متوقع، مما يعزز التكهنات بان التضخم كان يسير فعليا نحو الهبوط قبل حدوث الصدمة الجيوسياسية.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، فان صدمة الحرب بدات بالفعل في رسم خريطة تضخمية مغايرة لشهر مارس، فبينما بقيت بيانات فبراير بمنأى عن اثار النزاع، تسببت العمليات العسكرية في قفزة هائلة في اسعار وقود السيارات، حيث سجلت اسعار التجزئة واحدة من اكبر الزيادات الاسبوعية منذ اعوام. وحذر خبراء من ان بقاء اسعار النفط عند مستويات مرتفعة سيبقي التضخم فوق مستويات معينة طوال فترة طويلة، هذه القفزة ستؤدي حتما الى تقلص القوة الشرائية للمستهلكين، حيث يجد الامريكيون انفسهم مضطرين لدفع مبالغ اكبر في محطات الوقود، مما يقلل من قدرتهم على الانفاق الاختياري ويضغط بشكل مباشر على مبيعات التجزئة الحقيقية، رغم ان القيم الاسمية للمبيعات قد تبدو مرتفعة بسبب زيادة الاسعار.

وبين خبراء ماليون ان وصول سعر النفط الى مستويات معينة سيكون "تضخميا بلا شك" على المستوى العام. واوضحوا ان كل زيادة مستدامة في اسعار الخام تضيف الى مؤشر اسعار المستهلكين خلال شهرين، مدفوعة بشكل اساسي باسعار البنزين. وحذروا من ان بقاء النفط قريبا من مستويات معينة لفترة طويلة قد يدفع التضخم الاجمالي للاقتراب من نسب معينة بحلول نهاية العام القادم، وهو ما قد يؤدي الى تاخير التخفيضات المتوقعة في اسعار الفائدة من قبل "الاحتياطي الفيدرالي" اذا بدات توقعات التضخم في الارتفاع.

وفي الوقت ذاته، تبرز ضغوط هيكلية مقلقة في مؤشر اسعار المنتجين، حيث سجلت القراءات الاخيرة قفزات متتالية في شهرَي ديسمبر ويناير. وتعكس هذه الارقام محاولات تجار الجملة لتمرير تكاليف التعريفات الجمركية المرتفعة الى بائعي التجزئة للحفاظ على هوامش ارباحهم. ورغم صدور امر قضائي مؤخرا يتطلب من الادارة الامريكية رد مبالغ كبيرة من التعريفات الجمركية العالمية للمستوردين، فان الخبراء يستبعدون ان يترجم ذلك الى تخفيف تضخمي فوري، فالشركات التي طبقت زيادات سعرية بالفعل من غير المرجح ان تتراجع عنها في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي، مما يعني ان عدوى الاسعار ستستمر في الانتقال الى المستهلك النهائي ببطء ولكن بثبات.

اما بالنسبة للسياسة النقدية، فيجد "الاحتياطي الفيدرالي" نفسه في مأزق "فترة التعتيم الاعلامي" قبيل اجتماع قريب. ومع بقاء التضخم السنوي فوق مستهدفه، يتوقع المحللون ابقاء معدلات الفائدة دون تغيير. فمن جهة، يضغط ضعف سوق العمل والتباطؤ في خلق الوظائف نحو خفض الفائدة، ومن جهة اخرى، تجبر صدمة الطاقة والارتفاع المرتقب في تضخم مارس البنك المركزي على التمسك بموقفه المتشدد. كما يراقب "الاحتياطي الفيدرالي" بيانات الدخل المتاح للانفاق، حيث ان نمو الاجور قد يوفر بعض الدعم للمستهلكين، لكنه قد يغذي ايضا دوامة الاجور والاسعار التي يسعى البنك لتجنبها.

وختاما، تمتد تداعيات الصراع لتشمل الاقتصادات الكبرى المعتمدة على الطاقة، ففي اوروبا، تراقب دول كبرى اثر الازمة على قطاعاتها الصناعية. وفي اسيا، تواجه دول تهديدا مزدوجا، حيث يؤدي ارتفاع اسعار المستوردات النفطية الى الضغط على النمو وتعقيد مهمة البنوك المركزية هناك. ان البيانات الاقتصادية التي ستصدر قريبا ستكون جميعها تحت مجهر الصراع، مما يؤكد ان الاقتصاد العالمي بات اليوم محكوما بالميدان اكثر من لغة الارقام الصرفة.