الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل هوليوود: خبراء يكشفون ملامح التحول

تواجه صناعة السينما، التي لطالما اعتزت بكونها آخر معاقل الخيال البشري، تحولا جذريا مدفوعا بأنظمة الذكاء الاصطناعي. فمن كتابة السيناريوهات وتصميم الشخصيات إلى محاكاة ملامح النجوم العالميين، لم يعد الأمر مجرد تطور تقني، بل إعادة تعريف شاملة لدورة الإنتاج السينمائي. فالأفلام التي كانت تنتج بملايين الدولارات، بات من الممكن محاكاتها بأدوات لا تتجاوز كلفتها عشرات الدولارات.

أمام هذا التدفق التقني، تثار أسئلة مهمة حول ما إذا كنا نشهد ثورة تمكين تفتح الأبواب أمام جيل جديد من المخرجين المستقلين، أم إحلالا صامتا يعيد توزيع القيمة بعيدا عن البشر.

أكد المخرج التونسي زبير الجلاصي، الحائز على الجائزة الكبرى في "جوائز الأفلام بالذكاء الاصطناعي" عن فيلمه "ليلي"، أن الآلة تفتقر إلى الوعي أو الإحساس الذي يسمح لها باتخاذ القرارات العاطفية التي تحدد مصير المشهد. وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن الذكاء الاصطناعي قد يقترح عشرات المعالجات البصرية في ثوان ويختصر مراحل تنفيذ طويلة، لكنه لا يعرف أي زاوية للكاميرا ستبكي الجمهور، ولا أي إيقاع سينقل المشهد إلى ذروة التوتر.

أوضح الجلاصي أنه استخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد بيئات بصرية متعددة، واختيار أسلوب يحاكي تأثير الصلصال، فيما ظل القرار النهائي بشأن النبرة والإيقاع والبناء العاطفي قرارا بشريا خالصا. واختصر ذلك بقوله: "المخرج اليوم يتحول من دور المنفذ إلى دور المايسترو الذي يقود هذه الخوارزميات لخدمة رؤيته السردية وتوجيهها نحو هدف عاطفي وإنساني محدد". غير أن هذا التوسع في القدرات يطرح سؤالا أعمق حول مستقبل الوظائف الإبداعية، فإذا كانت الخوارزميات قادرة على توليد نصوص أولية وتصميم شخصيات رقمية ومحاكاة أداء بشري، فما الدور المتبقي للمبدعين؟

أشارت تجربته إلى أن الإجابة لا تكمن في الاستبدال بل في إعادة توزيع الأدوار. فالذكاء الاصطناعي قد يتولى المهام المتكررة أو التقنية، ولكنه لا يستطيع حتى الآن أن يحل محل التجربة الإنسانية التي تمنح العمل روحه. والتحدي، برأيه، ليس مقاومة التكنولوجيا، بل تحديد حدودها وضمان بقائها أداة لتوسيع الخيال لا تقليصه.

كشف المقطع المولد بالذكاء الاصطناعي الذي أظهر توم كروز وبراد بيت في مشهد قتال متقن هشاشة المنظومة القانونية أمام تسارع الخوارزميات. ففي دقائق، بدا المشهد حقيقيا إلى حد الإرباك، رغم أن أيا من النجمين لم يشارك فعليا في إنتاجه، إذ أنشئ باستخدام نموذج "سيدانس 2.0" (Seedance 2.0) الذي طورته شركة "بايت دانس" (ByteDance) الصينية. وقد أثار الفيديو احتجاجات رسمية من جهات صناعية في هوليوود حول استخدام صور الممثلين دون موافقتهم.

اعتبر الجلاصي هذا النوع من المحتوى "جرس إنذار" لصناعة اعتادت السيطرة المحكمة على صور نجومها وحقوق استغلالها، إذ تتطور التقنية بوتيرة تفوق قدرة التشريعات على مواكبتها. ومع إتاحة أدوات التوليد البصري للجمهور، لم يعد المنع خيارا واقعيا، بل أصبح التكيف ضرورة.

يرى أن هذا التكيف قد يمر عبر نماذج أعمال تعتمد ترخيص "البصمة الرقمية" أو "الهوية الرقمية" للممثلين، بحيث تستخدم ملامحهم وأصواتهم قانونيا مقابل عوائد واضحة. فتتحول صورة النجم إلى أصل قابل للترخيص يخضع لإدارة شبيهة بالحقوق الموسيقية أو العلامات التجارية. غير أن القضية لا تتعلق بحقوق النجوم وحدها، بل بثقة الجمهور أيضا. فانتشار تقنيات التزييف العميق يضع الصناعة أمام اختبار أخلاقي، هل تبقى هذه الأدوات وسيلة لتوسيع الخيال، أم تتحول إلى أداة تضليل؟ لذلك شدد الجلاصي على أن الشفافية يجب أن تكون القاعدة، مع الإشارة الواضحة إلى المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي واحترام موافقة أصحاب الهويات الحقيقية.

يرى كيفن تشانغ، المتخصص في صناعة الأفلام بالذكاء الاصطناعي وأبحاث صناعة السينما، أن المسألة تجاوزت البعد التقني لتصبح إعادة تفاوض على السلطة داخل الصناعة. ويشير إلى أن إضرابات هوليوود عام 2023 وضعت تنظيم الذكاء الاصطناعي في صلب المفاوضات بين النقابات والاستوديوهات، تأكيدا على أن الآلة لا يمكن أن تستبدل المبدعين دون ضوابط وموافقات صريحة. فالقضية، برأيه، لم تعد كفاءة تكلفة، بل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا وبين رأس المال والإبداع، وإعادة هيكلة السلطة وتوزيع العائدات على هذا الأساس.

أوضح تشانغ أن شراكات مثل تعاون "ليونز غيت" (Lionsgate) مع "ران واي" (Runway) وانخراط "ديزني" مع أدوات "أوبن إيه آي" (OpenAI) تكشف أن السيطرة لم تنتقل بالتساوي، بل تمركزت لدى الجهات التي تتحكم بالنماذج الحاسوبية والبيانات والملكية الفكرية والمنصات الرقمية التي تضبط قواعد التوزيع. في المقابل، يسلط الجلاصي الضوء على الجانب الديمقراطي لهذه الثورة، واصفا انخفاض تكلفة الإنتاج بـ "استوديو هوليوود داخل حاسوب محمول".

يشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن القصص التي كانت تموت بسبب غياب الميزانيات الضخمة يمكن اليوم إنتاجها بأدوات بسيطة نسبيا، ما يحرر المبدعين من القيود المادية واللوجستية، وهو ما دفعه إلى إطلاق شركة إنتاج خاصة به والبدء في تطوير فيلم طويل متكامل بالذكاء الاصطناعي. ويضيف أن الفرص باتت غير محدودة، وأن تسارع الإنتاج سيفتح المجال أمام تنوع ثقافي وفني أوسع، بحيث يصبح معيار النجاح جودة القصة وقوة الخيال لا حجم الميزانية.

وفق تشانغ، يواجه نموذج "كلما كبرت الميزانية زادت فرص النجاح العالمي" مراجعة جذرية بفعل الذكاء الاصطناعي، فانخفاض تكاليف التطوير وأتمتة مراحل الإنتاج وتقليص زمن ما بعد الإنتاج يجعل فرضية تضخم الميزانيات أقل إقناعا، ما يحول الاستراتيجية من "النمو عبر رهانات أكبر" إلى "حماية الهوامش عبر الكفاءة". ويختصر هذا بقوله: "لن تختفي الإنتاجات الضخمة، لكنها ستدار بانضباط مالي أعلى، وفرق أصغر، وسلاسل إنتاج أكثر مرونة، والأهم أن الذكاء الاصطناعي يغير توزيع المخاطر".

يشير تشانغ إلى أن دورة إنتاج مضغوطة وزمن أسرع لاسترداد رأس المال يمكن الاستوديوهات من تنويع الاستثمارات على عدد أكبر من المشاريع متوسطة الحجم بدل تركيز رأس المال في عدد محدود من الأفلام العملاقة. وهكذا يتحول نموذج التمويل من اقتصاد قائم على الاستعراضات الضخمة إلى استراتيجية محفظة قائمة على الكفاءة. كما يوضح أن أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها قد تصبح أصولا استراتيجية ضمن هيكل التمويل، بحيث لا تقيم القيمة فقط بالمحتوى، بل أيضا بالتكنولوجيا التي تحسن سير العمل وتسرع الإنتاج وتخفض التكاليف، ما قد يجذب مستثمرين جدد، مثل صناديق رأس المال الجريء الباحثة عن دمج المحتوى والتكنولوجيا كفرصة نمو مزدوجة.

في المحصلة، يرى تشانغ أن التحدي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الإطار الذي يدار ضمنه، فإذا بقي القرار الإبداعي بيد الإنسان وترسخت الشفافية والحمايات العادلة، يمكن للتكنولوجيا أن تعزز الخيال بدلا من أن تفرغه، أما إذا اقتصر استخدامها على خفض التكاليف، فقد تربح الصناعة السرعة وتخسر روحها.